
الطيب مادري حسن
تأتي قرارات رئيس وزراء حكومة السلام الأستاذ محمد حسن التعايشي بتعيين وزراء ووكلاء وزارات ومدراء عامين، في سياق سياسي يفترض أنه يتجه نحو ترسيخ مؤسسات دولة جديدة تقوم على الشراكة وتوسيع قاعدة المشاركة في إدارة المرحلة الانتقالية. غير أن طبيعة هذه التعيينات، وما رافقها من نقاشات سياسية أعادت فتح سؤال جوهري حول مسار التغيير: هل ما زال التغيير مشروعا جامعا لكل القوى التي صنعت لحظته الأولى، أم أنه بدأ يتحول تدريجيا إلى مشروع يُعاد تشكيله داخل دائرة ضيقة من الفاعلين؟
الخطاب الرسمي المصاحب للقرار يقدمه باعتباره خطوة في اتجاه استكمال هياكل السلطة وبناء السودان الجديد القائم على القانون والمؤسسات والسلام العادل. هذا الخطاب في حد ذاته لا يثير إشكالاً من حيث المبدأ لكنه يصبح محل تساؤل عندما لا ينعكس بصورة متوازنة على أرض الواقع خصوصا في ما يتعلق بتمثيل القوى السياسية التي كانت حاضرة منذ البدايات الأولى لمسار التغيير ودفعت أثماناً سياسية وتنظيمية في مواجهات المرحلة السابقة.
الإشكال الأساسي هنا لا يتعلق فقط بالأسماء التي شملتها التعيينات، بل بمنطق الاختيار ذاته فحين تُدار عملية تشكيل الجهاز التنفيذي بمعزل عن قاعدة سياسية واسعة، وتظهر ملامح تهميش غير مباشر لبعض الأحزاب والقوى التي كانت في قلب لحظة التغيير فإن السؤال يصبح مشروعا هل نحن أمام بناء دولة مؤسسات، أم أمام إعادة ترتيب لموازين السلطة تحت عناوين جديدة؟
إن أي مشروع تأسيسي حقيقي يفترض أن يقوم على مبدأ الشمول السياسي لا على إعادة توزيع النفوذ بين دوائر محدودة. لكن ما يظهر من هذه التعيينات يوحي باتجاه مختلف حيث تتراجع فكرة الشراكة الوطنية لصالح منطق التمثيل الانتقائي وهو ما يخلق شعورا متزايدا لدى بعض القوى بأنها تستبعد تدريجيا من معادلة التأثير رغم دورها التاريخي في صناعة التغيير.
كما أن غياب الشفافية الكافية في توضيح معايير الاختيار بعضها يرى في هذه الخطوات إعادة إنتاج لنمط الإقصاء السياسي ولكن بصيغة أكثر نعومة تعتمد على إعادة تعريف الاستحقاق وفق معايير اللحظة لا وفق تاريخ المشاركة في التغيير.
إن خطورة هذا المسار لا تكمن في التعيينات ذاتها فقط بل في ما يمكن أن تؤدي إليه من اهتزاز في الثقة بين مكونات المشهد السياسي. فكلما ضاقت دائرة المشاركة في السلطة اتسعت دائرة الشكوك حول جدية المشروع الانتقالي وتراجعت فرص بناء توافق وطني حقيقي يمكن أن يشكل قاعدة للاستقرار
إن اللحظة الراهنة تتطلب إعادة النظر في فلسفة إدارة الانتقال السياسي، بحيث لا تتحول عملية بناء الدولة إلى مساحة لإعادة إنتاج مراكز النفوذ بل إلى فرصة حقيقية لتأسيس عقد سياسي جديد يقوم على التوازن والعدالة والشراكة الفعلية.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحا أمام حكومة السلام هل ما يجري هو فعلاً بناء السودان الجديد أم أن التغيير يختطف مرة أخرى ولكن هذه المرة تحت لافتة أكثر جاذبية؟




