
محمد تاج الدين الحلو
ثلاث سنوات كاملة عاشها أطفال السودان بلا تعليم، محرومون من أبسط حقوقهم لمجرد المكان الذي وُلدوا فيه أو الانتماء الجغرافي لعائلاتهم. هذا الحرمان ليس صدفة، بل هو نتيجة تراكم سياسات طويلة الأمد منذ الاستقلال، تركت الأطفال يدفعون ثمن أخطاء الكبار وفشل المؤسسات في توفير العدالة الاجتماعية والتعليمية. المناطق المهمشة، مثل النيل الأزرق ودارفور وكردفان، شهدت فقدان عشرات الآلاف من الطلاب لسنوات حياتهم بلا أي فرصة للجلوس في المدارس أو الوصول إلى المعرفة الأساسية، ما عمّق الفجوات التعليمية وأضعف فرص الأجيال القادمة.
في هذا السياق، يمثل إعلان حكومة السلام عن فتح باب الجلوس لامتحان الشهادة السودانية لعام 2026 خطوةً مهمة، وبمثابة بارقة أمل طال انتظارها. إنها ليست مجرد عملية امتحانية، بل رسالة واضحة بأن التعليم ليس رفاهية أو امتيازاً، بل حق أصيل لكل طفل، وأن مستقبل الأجيال هو أولوية وطنية يجب أن تُصان بلا تأجيل.
هذه الخطوة تأتي بعد جهد مكثف من الحكومة لضمان العدالة والمساواة في الفرص، إذ يشمل الإعلان جميع الطلاب دون استثناء، بما في ذلك من حُرموا سابقًا من حقهم في التعليم بسبب الحرب أو الانقطاع القسري. كما تؤكد الحكومة التزامها بضمان سلامة سير الامتحانات وشفافيتها، ما يعكس اهتمامها بخلق بيئة تعليمية عادلة ومستقرة، ويعيد ثقة الأسر في النظام التعليمي بعد سنوات من الانقطاع والتهميش.
مع ذلك، الطريق لا يزال طويلاً لضمان تعليم مستدام وفعلي لكل طفل سوداني. فتح باب الامتحانات خطوة أولى، لكنها لا تغني عن الإصلاح العميق في البنية التعليمية، وتحسين الوصول إلى المدارس، وضمان جودة التعليم في كل المناطق. يجب أن يتحول الحق في التعليم من وعد متأخر إلى واقع يومي، وأن يحصل كل طفل على فرصة التعلم والنمو دون قيود مكانية أو سياسية.
التعليم هو العدالة الحقيقية وبوابة المستقبل. إعلان الحكومة اليوم رسالة واضحة: أوطان تُبنى بالعلم والمعرفة، لا بالوعود الفارغة. الفرصة الآن ليست مجرد احتفال، بل دعوة للمتابعة والعمل المستمر لضمان أن كل طفل سوداني يحصل على حقه الطبيعي في المعرفة والنجاح.




