رأي

حرب 15 أبريل: بين الانقسام وإعادة تأسيس الدولة

إسماعيل رحمة المحامي

 

إسماعيل رحمة المحامي

الحروب لا تنتهي حين تصمت البنادق، بل حين تُعالج جذورها العميقة

منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023م، دخل السودان مرحلة فارقة في تاريخه الحديث، تجاوزت كونها صراعًا عسكريًا على السلطة إلى أزمة مركبة ذات أبعاد اجتماعية وجهوية عميقة. فالحرب، في جوهرها كما يراها كثيرون، لم تكن مجرد مواجهة بين قوتين مسلحتين، بل تعبيرًا عن اختلالات تاريخية تراكمت عبر عقود من التهميش، وخطاب الكراهية، والاستقطاب الاجتماعي الحاد.

لقد برزت خلال هذه الحرب مظاهر مقلقة تمثلت في تصاعد النزعات العنصرية، واستهداف مكونات اجتماعية بعينها، وانتشار خطاب إقصائي يعمّق الانقسام بين أبناء الوطن الواحد. كما ترافقت الأحداث مع اتهامات بوقوع انتهاكات خطيرة تمس حقوق الإنسان والمواطنة، الأمر الذي جعل الصراع يتجاوز الإطار العسكري إلى أزمة ثقة وطنية تهدد النسيج الاجتماعي برمّته.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة الحرب بمعزل عن تاريخ طويل من سياسات التمييز وضعف الإدارة العادلة للتنوع السوداني. فالتوترات الاجتماعية لم تنشأ فجأة، بل هي نتاج تراكمات سياسية واقتصادية وثقافية، لم تُعالج بعمق عبر مشروع وطني جامع. ولذلك فإن أي تصور لمآلات هذه الحرب يجب أن ينطلق من معالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بوقف إطلاق النار.

ثمة ثلاث مقاربات تُطرح كحلول نهائية محتملة للأزمة السودانية. الأولى تقوم على منطق «دولة المنتصر»، حيث يفضي الحسم العسكري إلى تأسيس نظام جديد يفرض رؤيته على بقية الأطراف. غير أن هذا الخيار، وإن بدا حاسمًا، يحمل في طياته مخاطر إعادة إنتاج دورة جديدة من الإقصاء والصراع.

المقاربة الثانية تتمثل في إقامة دولة فيدرالية دستورية، تُوزع فيها السلطات والحقوق وفق ميزان العدالة، ويُوقّع دستور واضح قبل أي شراكة سياسية. في هذا النموذج، تتمتع الوحدات الفيدرالية بسلطات واسعة في إدارة مواردها البشرية والطبيعية، بما يعزز المشاركة المحلية ويخفف الاحتقان التاريخي. ويُعد هذا الخيار، من منظور كثيرين، أكثر قدرة على استيعاب التنوع السوداني ضمن إطار وطني موحّد.

أما المقاربة الثالثة فهي خيار «حل الدولتين»، عبر تقسيم جغرافي واضح يضع النيل فاصلًا طبيعيًا بين كيانين مستقلين، بما ينهي النزاع الحدودي ويمنح كل طرف فرصة لبناء مشروعه السياسي بمعزل عن الآخر. غير أن هذا الطرح، رغم وضوحه النظري، يفتح الباب أمام تحديات معقدة تتعلق بالهوية والاقتصاد والعلاقات الإقليمية.

وفي حال تعثر هذه الحلول، يبقى احتمال التفكك إلى دويلات أصغر قائمًا، مع إمكانية قيام صيغة كونفدرالية مستقبلًا كإطار تعاون سياسي واقتصادي بين كيانات مستقلة.

إن الحرب، أيًّا كان توصيفها، لن تكون الأخيرة ما لم تُعالج جذورها الاجتماعية والسياسية بصدق وشجاعة. فبناء الدولة لا يتحقق بانتصار طرف على آخر، بل بإعادة صياغة العقد الوطني على أسس العدالة والمواطنة المتساوية. وإلا فإن وقف القتال لن يكون سوى هدنة مؤقتة في مسار صراع لم يُحسم بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!