رأي

الإعلام بين التنوير والتضليل: حين يصبح سلاحًا ومرآة للعدالة

هويدا سنادة

 

هويدا سنادة

لم يعد الإعلام في عصرنا مجرد وسيلة لنقل الخبر أو متابعة الأحداث، بل تحوّل إلى قوة فاعلة تشكّل الوعي الجمعي وتؤثر في مسارات الدول والمجتمعات. لذلك وُصف بأنه «سلطة رابعة»، لما يملكه من قدرة على الرقابة والمساءلة والتأثير في صناعة القرار. غير أن هذه القوة ذاتها هي ما جعلت الإعلام سلاحًا ذا حدّين؛ يمكن أن يكون أداة بناء وتنوير، كما يمكن أن يتحول إلى وسيلة تضليل وهدم.

تكمن خطورة الإعلام في قدرته على صياغة الإدراك العام للأحداث. فهو لا ينقل الواقع فحسب، بل يعيد تشكيله من خلال طريقة العرض، وانتقاء المفردات، وزوايا التغطية. ومن هنا تنقسم وظيفته إلى مسارين متباينين: مسار إيجابي يعزز المعرفة والوعي، ومسار سلبي يُسهم في التشويه والانقسام.

في حدّه الإيجابي، يصبح الإعلام رافعة للتنوير والبناء. فهو ينشر المعرفة، ويرفع مستوى الوعي الثقافي والسياسي والاجتماعي، ويؤدي دورًا رقابيًا في كشف الفساد ومحاسبة المسؤولين، ويُعزّز قيم الشفافية. كما يسهم في توحيد المجتمعات خلال الأزمات والكوارث، عبر حشد الجهود وتنسيق المبادرات الإنسانية، فيتحول إلى مساحة للتضامن والتكافل. بهذا المعنى، يصبح الإعلام قوة أخلاقية تدعم الاستقرار وتعزز المشاركة الواعية.

أما في حدّه السلبي، فيتحول الإعلام إلى أداة توجيه وتعبئة تخدم أجندات ضيقة. حين تُحمّل الرسالة الإعلامية بالبروباغندا المقصودة، يصبح التضليل صناعة، وتتحول الأخبار إلى وسائل لإثارة الفتن وإذكاء الصراعات العرقية أو الطائفية. إن خطاب الكراهية المتعمّد لا يكتفي بتزييف الوقائع، بل يُعيد تشكيل العقول على أساس الخوف والانقسام. كما أن المحتوى السطحي والهابط يصرف الأنظار عن القضايا المصيرية، ويُفرغ المجال العام من النقاش الجاد، فيتحول الإعلام من قوة تنوير إلى أداة إلهاء.

غير أن السؤال الأهم هو: كيف يتحول الإعلام إلى مرآة حقيقية تعكس المظالم التاريخية للشعوب المضطهدة؟

الإجابة تبدأ بالمصداقية. فالمظلوم لا يحتاج إلى تنظير فلسفي، بل إلى توثيق حيّ ينقل صوته وصورته كما هما. الإعلام الحر ينقل المعاناة من قلب الحدث، في تقارير الحروب، والمجاعات، وقصص القمع، دون تزييف أو مبالغة، فيضع العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية. وحين تتحول الضحية من رقم في نشرة إخبارية إلى إنسان له اسم وقصة وعائلة، تنتقل القضية من مستوى الخبر العابر إلى مستوى الوجع الإنساني الذي يستدعي التعاطف والتحرك.

القضايا الإنسانية لا تحتمل التجريد. إن التعامل مع الضحايا بلغة الأرقام يُفقدهم إنسانيتهم، بينما يعيد الإعلام الصادق الاعتبار لكرامتهم عبر سرد قصصهم بموضوعية واحترام. هنا يصبح الإعلام مرآة للعدالة، لا مجرد منصة للبيانات.

لكن ماذا عن البيئات القمعية التي تحاصر الصوت وتمنع الصورة؟

في ظل الأنظمة المغلقة، يحاول أصحاب السلطة عزل المظلومين عن العالم، وطمس معاناتهم داخل حدود الجغرافيا. وهنا يبرز دور الإعلام البديل والمنصات الرقمية، التي تكسر احتكار المعلومة، وتفتح نوافذ للتواصل العابر للحدود. من خلال التوثيق المستمر والنشر المتواصل، تتحول القضية المحلية إلى رأي عام عالمي، وتنتقل من الهامش إلى مركز الاهتمام الدولي، مما يخلق ضغطًا أخلاقيًا وسياسيًا على صناع القرار.

إن الإعلام، في جوهره، ليس مجرد ناقل للخبر، بل صانع للواقع. فإذا تجرد من الأخلاق تحول إلى أداة خطرة تعيد تشكيل الحقائق بما يخدم الأقوياء. أما إذا التزم بالمسؤولية والمهنية، فإنه يصبح صوتًا للضعفاء، وجسرًا بين المعاناة والضمير الإنساني.

وهكذا يبقى الإعلام سلاحًا ذا حدّين: إمّا أن يُستخدم لبناء الوعي وترسيخ العدالة، أو يُستغل لإدامة الظلم وصناعة الوهم. والاختيار في النهاية ليس تقنيًا بقدر ما هو أخلاقي؛ لأن قوة الكلمة، حين تُحسن توجيهها، قادرة على إحياء الأمل، كما أنها قادرة على إشعال الفتن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!