
سهيبه مريش
تكتسب التحركات الدبلوماسية أهمية قصوى في ظل المرحلة المعقدة التي يمر بها السودان. وفي هذا السياق، مثلت زيارة الفريق أول محمد حمدان دقلو، نائب رئيس مجلس السيادة، إلى كمبالا، عاصمة أوغندا، حدثاً ذا دلالات عميقة، لا سيما أنها تأتي في قلب القارة الأفريقية. هذه الزيارة لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي عابر، بل حملت في طياتها بشارة خير ودليلاً على تعافي وانفتاح حكومة السلام السودانية دوليًا، مع التركيز على البوابة الأفريقية كمنطلق أساسي. إن فهم أبعاد هذه الزيارة، خاصة في ضوء الخطاب الذي ألقاه دقلو أمام الجالية السودانية، يكشف عن تحولات مرتقبة على المستويين الداخلي والخارجي.
إن اختيار كمبالا كنقطة انطلاق للتحرك الدبلوماسي الإقليمي يرمز إلى إدراك أهمية العلاقات البينية الأفريقية في صياغة مستقبل السودان. تعد أوغندا، كجارة حدودية وعضو فاعل في الإيقاد، شريكاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله في ملفات الأمن الإقليمي والاقتصاد والتنمية. إن انفتاح الحكومة السودانية على محيطها القاري، عبر زيارات بهذا الحجم، يؤكد التوجه نحو بناء تحالفات إقليمية داعمة للاستقرار، وهو ما يشير إلى أن الحكومة تسعى لإنهاء حالة العزلة التي ربما تكون قد أحاطت بالعملية السياسية في مراحل سابقة. هذا الانفتاح القاري هو مقدمة ضرورية لأي تحول داخلي مستدام.
الجانب الأكثر تأثيراً في هذه الزيارة كان الخطاب الموجه للجالية السودانية في أوغندا. الخطاب الذي وُصف بالتجرد والعزة والفخر لأهل الهامش يحمل رسائل سياسية واجتماعية قوية. إن تسليط الضوء على فئات مهمشة تاريخياً، والتي غالباً ما تكون عصب الثورات والتغيير، يعكس وعياً متزايداً بالحاجة إلى بناء إجماع وطني شامل. عندما يتحدث الرئيس حميدتي بهذه اللغة، فإنه يعيد تعريف الأولويات الوطنية، ويضع قضايا المناطق التي عانت من التهميش في صلب الأجندة الإصلاحية. هذا التجرد في الخطاب، والاعتراف بقيمة أهل الهامش، يمثل خطوة نحو معالجة الجذور العميقة للصراعات الداخلية، ويعد جسراً ضرورياً للوصول إلى سلام شامل ومستدام.
إن الخطاب لم يقتصر على الجانب الاجتماعي؛ بل لامس بوضوح المشهد السياسي المعقد. إن الإشارة الصريحة إلى ضعف حكومة الأمر الواقع وكشفها، تحمل دلالة على أن المرحلة الراهنة تشهد تقييمًا نقديًا للأداء السياسي السابق والحالي. عندما يتم الكشف عن هذا الضعف، سواء كان سياسياً أو إدارياً أو حتى أمنياً، فإنه يمهد الطريق نفسياً وسياسياً للاعتراف بأن التغيير القادم ليس مجرد احتمال، بل هو أمر حتمي ومحتم. هذا الإقرار بالضعف هو الخطوة الأولى نحو الاعتراف بضرورة التحول الجذري المنشود الذي طال انتظاره.
إن التأكيد على أن التحول آت لا محالة يمثل رسالة مزدوجة. داخلياً، هو حافز للقوى المؤيدة للتغيير بضرورة التمسك بالمسار الإصلاحي، وهو بمثابة وعد بأن الجهود المبذولة ستؤتي ثمارها في إحداث تغيير حقيقي في بنية السلطة والحكم. أما خارجياً، فهو يرسل إشارة واضحة للشركاء الدوليين والإقليميين بأن السودان يتجه نحو مسار جديد، مما قد يفتح الأبواب لدعم أوسع للمرحلة الانتقالية، خاصة إذا تزامن هذا التحول مع خطوات ملموسة على صعيد دمج القوى المختلفة.
تغيير مجريات الأحداث داخلياً وخارجياً هو الهدف الأسمى من هذه التحركات. على الصعيد الداخلي، الانفتاح الإقليمي يعزز من قدرة الحكومة على إدارة الملفات الحساسة، مثل تأمين الحدود، والتعامل مع قضايا النزوح واللاجئين، وتسهيل تدفق الاستثمارات الإقليمية. هذا التعافي الدبلوماسي يسمح بضخ دماء جديدة في شرايين الاقتصاد المتأزم. أما خارجياً، فإن تعزيز العلاقات مع دول الجوار الأفريقي يضع السودان في موقع تفاوضي أقوى على الساحة الدولية، ويقلل من الاعتماد على أطراف قد تكون أجندتها متباينة مع مصالح السودان العليا.
علاوة على ذلك، فإن تركيز الخطاب على فخر أهل الهامش يعيد صياغة السرد الوطني بعيداً عن المركزية المفرطة. هذا التوجه، إذا تُرجم إلى سياسات وبرامج واضحة، يمكن أن يلعب دوراً محورياً في تفكيك شبكات الإقصاء التي غذت الصراعات المسلحة لعقود. الاعتراف بهذه الفئات كقوة فاعلة ومحورية في صناعة المستقبل هو ركيزة أساسية لأي حكومة سلام تسعى للبناء لا للهدم.
في الختام، زيارة الفريق أول محمد حمدان دقلو إلى كمبالا، وانطلاقاً من خطاب التجرد والفخر أمام الجالية، تشكل نقطة تحول رمزية ومؤشر عملي على أن حكومة السلام السودانية عازمة على الانفتاح دولياً، بدءاً من محيطها الأفريقي. إنها تحمل في طياتها بشارة تعافٍ دبلوماسي، وتؤكد على وعي متزايد بأهمية احتواء قضايا الهامش الداخلي كشرط أساسي للاستقرار. الإقرار بضعف حكومة الأمر الواقعوالتأكيد الحاسم على أن التحول قادم لا محالة، يضع الأساس النفسي والسياسي لعملية تغيير شاملة، تعد بإعادة ترتيب الأوراق داخلياً وخارجياً، وتفتح نافذة أمل لمستقبل أكثر شمولية للسودان. هذه الخطوات الإقليمية المدروسة هي المدخل الحقيقي لتأمين الدعم اللازم لإنفاذ التغيير المنشود.




