رأي

القاهرة والرياض ومعادلة السودان المختلة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

من يثبت الأزمة باسم الاستقرار، يؤجل الانفجار ولا يمنعه.

لم يعد الدور المصري والسعودي في الأزمة السودانية مجرد حضور دبلوماسي أو وساطة سياسية عابرة، بل أصبح جزءًا من معادلة الحكم نفسها. فالمواقف الصادرة من القاهرة والرياض تعكس رؤية محددة لطبيعة الدولة السودانية، وللصيغة التي ينبغي أن تستمر، حتى وإن أثبتت هذه الصيغة فشلها في بناء استقرار حقيقي.

الخطاب المتكرر حول “الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية” يُطرح باعتباره ضرورة لمنع الانهيار، لكنه يتجنب السؤال الأهم: هل كانت هذه المؤسسات أصلًا ضمانة للاستقرار؟ أم أنها كانت أحد أسباب الأزمة الممتدة منذ الاستقلال؟ التجربة السودانية تشير بوضوح إلى أن المؤسسة العسكرية، التي تُقدَّم اليوم باعتبارها صمام الأمان، لم تكن يومًا بعيدة عن قلب الصراع السياسي.

منذ نشأتها في سياق استعماري، لم تُبنَ المؤسسة العسكرية على عقيدة وطنية محايدة بقدر ما تأسست على وظيفة الضبط والسيطرة. ومع مرور الزمن، تحولت إلى فاعل سياسي واقتصادي مؤثر، يتدخل في الحكم ويعيد تشكيله. كل تجربة مدنية تعثرت لأنها لم تستطع إعادة تعريف العلاقة بين الجيش والسياسة. ومع ذلك، ما زال هذا النموذج يُطرح إقليميًا باعتباره الخيار الأكثر “واقعية”.

القاهرة تنظر إلى السودان من زاوية الأمن القومي والمياه والنفوذ الاستراتيجي. في هذا الإطار، يصبح استقرار السودان مرهونًا بوجود مركز قوة يمكن الوثوق به والتنسيق معه. لذلك ظل الرهان على المؤسسة العسكرية خيارًا مفضلًا، حتى لو جاء ذلك على حساب التحول المدني.

أما الرياض، فتنطلق من حسابات البحر الأحمر وأمن الملاحة والتوازنات الإقليمية. السودان في الرؤية السعودية جزء من منظومة أوسع تتعلق بأمن الإقليم. ومن هنا، يُفضَّل وجود مركز سياسي واضح يمكن التعامل معه وضبط إيقاعه، بدل الدخول في تعقيدات انتقال طويل وغير مضمون النتائج.

غير أن المشكلة ليست في وجود مصالح  فالمصالح طبيعة العلاقات الدولية  بل في أن هذه المصالح غالبًا ما تُدار عبر دعم نموذج حكم أثبت فشله في إدارة التنوع السوداني. فالاستقرار الذي يقوم على تثبيت البنية القديمة لا يعالج جذور الأزمة، بل يؤجلها. وكلما تم تجاوز سؤال إعادة التأسيس، عادت البلاد إلى الحلقة ذاتها: انقلاب، سلطة، ثورة، انتقال هش، ثم انهيار جديد.

لقد أثبت التاريخ السوداني أن كل تسوية لم تمس الأساس المؤسسي انتهت إلى إعادة إنتاج الأزمة. فالدولة التي لم تُبنَ على عقد اجتماعي متوازن، ولا على مؤسسات مهنية خاضعة للمساءلة، تظل عرضة للاهتزاز مع كل صدمة سياسية.

إن دعم القاهرة والرياض للمعادلة القائمة  ولو بصورة غير مباشرة  يعني عمليًا تثبيت نموذج لم يعد قادرًا على إنتاج دولة مستقرة. السودان لا يحتاج إلى إدارة أزمة جديدة، بل إلى إعادة تعريف الدولة نفسها. يحتاج إلى جيش مهني بعقيدة واضحة تحصر دوره في حماية الحدود والدستور، لا التدخل في الحكم. يحتاج إلى مؤسسات تقوم على القانون والمواطنة، لا على شبكة ولاءات.

السؤال الصريح اليوم: هل تريد القاهرة والرياض سلامًا يعالج جذور الأزمة، أم استقرارًا شكليًا يضمن بقاء نموذج مألوف يمكن التعامل معه؟ الفرق بين الخيارين هو الفرق بين دولة تتعافى ودولة تُدار بتوازنات فوقية.

السودان لن يخرج من أزمته عبر بيانات تؤكد “الحفاظ على المؤسسات”، بل عبر مراجعة هذه المؤسسات نفسها. ولن ينهض عبر تثبيت الماضي، بل عبر تأسيس جديد يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والشرعية.

فالدول لا تُبنى بالخوف من التغيير، بل بالشجاعة في إحداثه. وإذا لم تتغير المعادلة، سيبقى السودان يدور في أزمته، بينما تستمر العواصم في إدارة توازناتها، ويظل الشعب يدفع الثمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!