
عماد جدو
السودان ومصر.. علاقة الجوار وأزمات السيادة
لم تكن العلاقة بين الخرطوم والقاهرة يوماً مجرد علاقة جوار دبلوماسي تقليدي، بل شكّلت على مر العقود مسرحاً لتقاطعات سياسية واقتصادية وأمنية بالغة التعقيد. وبينما ينظر البعض إلى هذه العلاقة من زاوية “وادي النيل” والمصير المشترك، يرى تيار عريض من المراقبين والمؤرخين السودانيين أن السياسة الخارجية المصرية تجاه السودان ركزت بشكل أساسي على تأمين مصالحها المائية الاقتصادية، حتى لو كان ذلك على حساب السيادة الوطنية السودانية وجهود الاستقرار السياسي.
من الصاغ/ سالم إلى عهد عبود.. التنازلات المائية والكهرباء المفقودة
تضرب جذور التدخلات السياسية المصرية في العمق التاريخي الحديث للسودان، وتحديداً منذ عهد اليوزباشي صلاح سالم (مسؤول ملف السودان في مجلس قيادة الثورة المصري)، والذي سعى بكل قوته لتوجيه خيارات السودانيين نحو “وحدة وادي النيل” قبل الاستقلال.
ومع قيام الحكم العسكري الأول في السودان بقيادة الفريق إبراهيم عبود، دخلت العلاقات مرحلة “التنازلات الاستراتيجية الكبرى” التي تمثلت في
بناء السد العالي وتشريد أهالي حلفا: وافق نظام عبود على بناء السد العالي وتراجع عن شروط السيادة السودانية، مما أدى لغرق مدينة وادي حلفا التاريخية وتشريد الآلاف من سدنة الحضارة النوبية.
فرضية إيجار الأراضي وعقد الإعفاء: رُوج في البداية لفرضية “إيجار” الأراضي السودانية لإنشاء بحيرة السد (بحيرة ناصر/النوبة) مقابل مد المديرية الشمالية بالطاقة الكهربائية مجاناً كتعويض تنموي.
النتيجة الصادمة هي قام نظام عبود بإعفاء الجانب المصري من قيمة الإيجار، وفي المقابل، لم يلتزم الجانب المصري بإيصال الإمداد الكهربائي للمديرية الشمالية، لتبقى تلك المناطق عقوداً طويلة في الظلام رغم تقديمها لأغلى التضحيات الجغرافية والتاريخية.
عهد جعفر نميري.. “زعل الأشقاء” يجهض مشروع أنبوب النفط الاستراتيجي.
شهدت فترة الرئيس جعفر نميري تماهياً كبيراً مع التوجهات السياسية لمصر، ووصل هذا التماهي في بعض الأحيان إلى تقديم “الخاطر السياسي” للقاهرة على المصالح الحيوية والاقتصادية للشعب السوداني.
ولعل الشاهد الأبرز على ذلك هو “مشروع خط نقل البترول الإقليمي
تفاصيل المشروع المُجهض: كان هنالك اتفاق (سعودي – أمريكي – سوداني) لمد خط أنابيب لنقل البترول من غرب إفريقيا وصولاً إلى ميناء بورتسودان، ومنه بحرياً إلى ميناء جدة السعودي.
هذا المشروع الضخم كان سيغير الخارطة الاقتصادية للسودان، لكنه قوبل بمعارضة مصرية شرسة لأنه يمثل بديلاً جزئياً لحركة السفن في قناة السويس، مما يؤثر على دخلها القومي.
وفي تلك الحقبة، تم استدعاء رئيس المجلس التشريعي السوداني آنذاك، عز الدين السيد، والذي صرح بعد عودته بأن “هذا المشروع لا يمكن أن يقوم”. وخلال مباحثات رسمية للرئيس نميري في الولايات المتحدة، وعندما طُرح أمر المشروع، علق نميري ببساطة قائلاً: “إن إنشاء هذا المشروع يسبب زعل الإخوة المصريين”، مضحياً بمشروع تنموي عملاق يخدم أجيالاً من السودانيين تجنباً لـ “زعل” النظام المصري.
ولم تقف المرارات التاريخية عند هذا الحد، بل يذكر التاريخ مشاركة الطيران المصري في أحداث الجزيرة أبا (عام 1970) لقمع الأنصار، في إشارة مبكرة للتدخل العسكري المباشر لحماية الأنظمة الموالية.
إجهاض الديمقراطيات واحتواء المعارضة.
تُشير القراءة التحليلية للمواقف المصرية إلى توجس دائم من قيام نظام ديمقراطي مدني قوي ومستقل في الخرطوم:
الديمقراطية الثالثة (1986 – 1989): عقب نجاح انتفاضة أبريل وتولي حكومة السيد الصادق المهدي، تحركت أجهزة المخابرات المصرية للتضييق على الحكم المدني، وسارعت القاهرة لـ “مباركة والترحيب” بانقلاب الإنقاذ في 30 يونيو 1989 بقيادة عمر البشير، ظناً منها أنه سيكون أكثر طواعية.
فخ التجمع الوطني الديمقراطي: طيلة فترة حكم الإنقاذ، احتضنت القاهرة معارضة “التجمع الوطني الديمقراطي”. ولم يكن هذا الاحتضان دعماً للديمقراطية، بل كان “خطوة استخباراتية مدروسة” لإبقاء خيوط اللعبة وأوراق الضغط في يد القاهرة. وهو الأمر الذي فطن له قادة سودانيون بارزون لاحقاً، وقرروا نقل نشاط المعارضة إلى عواصم إفريقية مستقلة مثل أديس أبابا وأسمرة.
ثورة ديسمبر وحكومة حمدوك.. هندسة “الإنقلاب المعاكس”
بعد سقوط نظام البشير في 2019 وتشكيل حكومة الفترة الانتقالية بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك، استشعرت القاهرة خطورة التوجه المدني الديمقراطي القائم على استقلالية القرار السوداني وإعادة قراءة ملفات الموارد (وعلى رأسها سد النهضة وملف حلايب وشلاتين).
وعمل النظام المصري بكل ثقله الدبلوماسي والأمني على إجهاض تلك التجربة المدنية، ودعم المكون العسكري وصولاً إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021، والذي فتح الباب على مصراعيه لانسداد الأفق السياسي، وقاد البلاد مباشرة نحو انفجار الأوضاع ونشوب حرب 15 أبريل 2023م.
في حرب 15 أبريل.. استغلال الهشاشة، نهب الموارد، والتوغل الميداني.
يرى مراقبون في الساحة السودانية أن السياسة المصرية الحالية تسعى بوضوح إلى إطالة أمد الحرب في السودان، لعدة أسباب استراتيجية
استغلال الموارد المائية: الاستفادة من حصة السودان المائية كاملة وتمريرها خلف السد العالي مستغلةً توقف المشروعات الزراعية والتنموية في السودان بسبب الحرب.
ملف التعدين والأهالي والاشتباكات الحدودية: لم تكتفِ مصر بفرض سيطرتها على مثلث (حلايب وشلاتين)، بل أظهرت جرأة غير مسبوقة بالتوغل العسكري داخل الحدود السودانية المتاخمة لمصر في مناطق “التعدين الأهلي عن الذهب”، بهدف السيطرة على هذا المورد الثمين. وتطورت هذه الاحتكاكات إلى اشتباكات مسلحة بين المعدنين السودانيين والجيش المصري، أدت في إحدى جولاتها إلى مقتل ضابط مصري برتبة رفيعة.
ان قرار “حظر التصدير” الاستراتيجي.. ضربة لشريان الاقتصاد المصري.
أمام قناعة “قوات الدعم السريع” وحكومة التأسيس بأن سلطة الأمر الواقع في بورتسودان متواطئة مع النظام المصري لتبني سردية “استمرار الحرب حتى القضاء على آخر جندي”، لتمكين المصريين من نهب الموارد؛ أصدر قائد قوات الدعم السريع قراراً استراتيجياً بـ “تحريم ومنع نقل الموارد الزراعية والحيوانية والمدنية من مناطق سيطرتها إلى دولة مصر”.
وقد استقبلت القاهرة القرار في البداية بالاستهانة والاستهتار عبر منابرها الإعلامية، لكن سرعان ما اتضح أن هذا القرار كان ضربة استراتيجية قاصمة ومحسوبة بدقة لتوقيف النظام المصري عند حدوده، وتجفيف منابع الدعم غير المشروع التي يقتات عليها اقتصاده المأزوم على حساب عرق السودانيين وثرواتهم.
ان الدعم العسكري المصري المباشر والتحرك نحو محكمة الجنايات الدولية.
لم يقتصر التدخل المصري عند الشق الاقتصادي أو السياسي، بل كشفت التقارير الدولية النقاب عن تورط عسكري مباشر. فقد رشح تقرير استقصائي خطير في إحدى الصحف الأمريكية البارزة يفيد بأن “قاعدة جوية مصرية ساهمت بشكل مباشر في توجيه وإسناد الاعتداءات بالطيران المسير (الدرون) في مناطق سيطرة قوات التأسيس وقوات الدعم السريع”.
وقد أسفر هذا التدخل الجوي المباشر عن تداعيات كارثية شملت
مقتل وإصابة عدد مقدر من المدنيين العزل.
ضرب واستهداف ممنهج للأعيان المدنية والمرافق الحيوية مثل المستشفيات، المدارس، الأسواق، وأماكن تجمعات المواطنين.
تدمير واسع النطاق للبنية التحتية السودانية شمل المصانع، الجسور، والكباري منذ بدايات حرب 15 أبريل 2023م.
التحرك القانوني الدولي: بناءً على ما ورد في هذا التقرير الصحفي الأمريكي من أدلة دامغة، وتوثيق دقيق لخرق السيادة واستهداف المدنيين، تلقف عدد من القانونيين والمحامين السودانيين هذه الوثائق، وشرعوا رسمياً في إجراءات قانونية مكثفة لرفع دعوى قضائية دولية ضد الحكومة المصرية وضباط جيشها أمام محكمة الجنايات الدولية (ICC)، لضمان ملاحقة المتورطين في جرائم الحرب وتدمير البنية التحتية السودانية.
ان التداعيات الاقتصادية الحادة على مصر وأزمة الشركات العالمية
إن قرار حظر تصدير الموارد السودانية الصادر من سلطة التأسيس وقوات الدعم السريع لم يكن مجرد مناورة سياسية، بل تحول إلى خناق اقتصادي حقيقي بدأ يضيق على رقبة الاقتصاد المصري بشكل غير مسبوق. ويمكن تلخيص أبرز التداعيات الاقتصادية التي ضربت العمق المصري في
شلل المصانع والشركات المصرية: تعالت شكاوى واستغاثات أصحاب المصانع والشركات الكبرى في مصر، والتي كانت تعتمد كلياً على المواد الخام السودانية (مثل الصمغ العربي، الحبوب الزيتية، الماشية، واللحوم). هذه المصانع كانت تقوم بعمليات “إعادة تدوير وتعبئة” بسيطة للمنتجات السودانية ثم تصديرها إلى الأسواق العالمية تحت مسمى “منتجات مصرية” لجني مليارات الدولارات.
العجز عن الوفاء بالالتزامات الدولية: وجدت الشركات والمؤسسات المصرية نفسها في مأزق قانوني ومالي عاصف، بعد أن عجزت تماماً عن الإيفاء بوعودها والالتزامات المبرمة في عقودها مع شركات ومؤسسات أوروبية وعالمية نتيجة توقف الإمداد السوداني، مما يهددها بفرض غرامات باهظة وفقدان ثقة الأسواق الدولية.
ان هذا الشلل التجاري جعل النظام المصري يتحرك في حالة من الذعر والارتباك بحثاً عن أي موطئ قدم، أو وسيط، أو تسوية تضمن له استعادة وتوفير هذه الامتيازات الاقتصادية التي فقدت.
وما يزيد من تعقيد الوضع وخنق الموقف المصري، هو أن القاصي والداني يعلم أن الكتلة الحيوية لهذه الموارد الزراعية والحيوانية تتركز أساساً في إقليمي دارفور وكردفان، بالإضافة إلى دخول منطقة النيل الأزرق مؤخراً في كنف سلطة التأسيس. هذا الواقع الجغرافي والاقتصادي الجديد أغلق “صنبور الثروات المجانية” في وجه القاهرة، وأكد للجميع أن عهد استغلال هشاشة السودان لنهب ثرواته قد انتهى، وأن أي علاقة مستقبلية بين البلدين لن تقوم إلا على الندية الكاملة، والمصالح المشتركة، والاحترام المطلق لسيادة تراب الوطن.




