رأي

لا حصانة… ولا خطوط حمراء فوق القانون

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد تاج الدين الحلو 

كفى رمادية. كفى مواربة.

الدولة لا تُدار بالعواطف، ولا تُحكم بالمجاملة، ولا تُحمى بالانتقائية. إما قانون يسري على الجميع بلا استثناء، أو فوضى تُغلف بشعارات براقة وتُسوَّق باعتبارها “حكمة سياسية”. وبين الخيارين لا توجد منطقة وسطى آمنة؛ فالدول التي تتسامح مع ازدواجية المعايير تدفع ثمن ذلك من استقرارها وهيبتها وثقة مواطنيها.

حين يتمرد أي شخص على سلطة الدولة أو يعلن تحديه لها، فالمعيار يجب أن يكون واحداً. لا يهم اسمه، ولا قبيلته، ولا موقعه السابق، ولا رصيده الاجتماعي. واسم موسى هلال ليس استثناءً من هذه القاعدة، كما أنه ليس فوقها. من يهدد الاستقرار يُحاسب وفق القانون، ومن تثبت براءته يُنصف بالقانون ذاته. بهذه البساطة، وبهذا الحسم الذي لا يعرف الانتقاء.

ما يجرح الوعي الوطني حقاً هو الكيل بمكيالين.

كيف تُسيَّر القوات إلى الطينة وكرنوي بحجة فرض هيبة الدولة، ثم يصبح الاقتراب من مستريحة سؤالاً حساساً يحتاج إلى حسابات خاصة؟ كيف يُزج بشباب في السجون بتهم التعاون أو الإخلال بالأمن، بينما يُطلب من الرأي العام أن “يُحسن الظن” في حالات أخرى؟ العدالة التي تُجزّأ تفقد معناها، والحسم الذي يُنتقى يفقد شرعيته، وهيبة الدولة لا تتجزأ بين منطقة وأخرى.

الأخطر من ذلك هو انزلاق الخطاب إلى لغة قبلية مقيتة. الدولة ليست قبيلة كبيرة، وليست تحالف مصالح بين مكونات اجتماعية. الدولة عقد مواطنة متساوٍ، يُعرّف الناس بحقوقهم وواجباتهم بعيداً عن الدم والنسب والانتماء. ومن يتحدث بلغة التفوق أو الاصطفاف العرقي، أياً كان موقعه، يهدم ما تبقى من فكرة الدولة الحديثة ويعيد المجتمع إلى مربعات الانقسام الأولى.

الاستقرار لا يُصنع بالسكوت عن الأقوياء والبطش بالضعفاء.

الاستقرار يُصنع حين يعلم الجميع — بلا استثناء — أن القانون سيصل إليهم إن أخطأوا، وسيحميهم إن ظُلموا. حينها فقط يتحول القانون من نصوص جامدة إلى مظلة ثقة عامة، وتتحول الدولة من سلطة تخشاها الأطراف إلى مرجعية يحتكم إليها الجميع.

لا قداسة لزعيم.

لا حصانة لاسم.

لا تمييز بين منطقة وأخرى.

من يهدد الأمن يُواجه بالقانون، ومن يعبث بالسلم العام يُحاسَب، ومن يتلطى خلف القبيلة أو التاريخ لن يُعفى من المساءلة. فالهيبة الحقيقية لا تُبنى بالخطب، بل بتطبيق عادل وحازم لا يعرف الاستثناءات.

الوعي الحقيقي ليس أن نختار صمتاً انتقائياً، بل أن نرفض الظلم أيّاً كان مصدره. وإذا كانت الدولة تريد أن تُحترم، فعليها أولاً أن تُثبت — بالفعل لا بالقول — أنها لا تخاف من تطبيق قانونها على الجميع، وأنها لا ترى في بعض الأسماء خطوطاً حمراء فوق العدالة.

محمد تاج الدين الحلو

الاثنين / 22 / فبراير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!