حزب الأمة القومي: بين مرونة “المرتكزات الفكرية” وعبث “المراهقة التنظيمية” بالأمانة العامة
عماد جدو

عماد جدو
شهدت الساحة السياسية السودانية مؤخراً حالة من اللغط والجدل الكثيف، أعقبت صدور بيانات وتصريحات منسوبة للأمانة العامة لحزب الأمة القومي، تُناوئ فيها أطروحات “الدولة العلمانية” التي توافقت عليها القوى المدنية في ميثاق “تأسيس” عام 2024. هذا التحرك من الأمانة العامة لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل بدا وكأنه محاولة متعمدة لخلط الأوراق وتشويه المواقف التاريخية والمبدئية للحزب، مما يستدعي قراءة فاحصة تفرّق بين المرتكزات الفكرية الحقيقية للحزب، وبين الصلاحيات الهيكلية للمؤسسات، ومحاولات الاختطاف السياسي.
المرتكزات الفكرية: من (لكل زمان رجال)ومرورا (بالسودان للسودانيين )
منذ فجر الاستقلال، تميز حزب الأمة القومي بتقديم برامج وطنية ناضجة عُرضت على كافة القوى السياسية، انطلاقاً من الشعارات التاريخيه الجامعة ” للسودانيين”. ولم يكن الحزب يوماً جامداً أو منغلقاً، بل ظل يطور أطروحاته وفقاً لمتغيرات الواقع. وفي التاريخ القريب، تجلى هذا الوعي في طرح “القضايا المصيرية”، وصولاً إلى ميثاق “تأسيس” في عام 2024.
إن توقيع حزب الأمة على ميثاق “تأسيس” الذي حسم خيار “العلمانية” لم يكن تناقضاً أو تنازلاً عن مبادئ الحزب، بل هو امتداد طبيعي لإدراك مقولة الإمام المهدي (عليه السلام): “لكل زمان رجال”.
الدولة المدنية والعلمانية: المرتكزات الفكرية للحزب تتحدث أصلاً عن “الدولة المدنية”، وهي في جوهرها ومضمونها لا تختلف عن العلمانية التي تضمن الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأديان والمكونات.
شجاعة القيادة في مواجهة الابتزاز: لقد أصرت بعض القوى السياسية على تسمية “العلمانية” صراحةً؛ لقطع الطريق أمام ابتزاز جماعات الهوس الديني. وهنا تجلت شجاعة رئيس الحزب، / فضل الله برمة ناصر، الذي تحمل مسؤولية بناء “سودان جديد” ومستقر ما بعد الحرب، فوافق على هذا التوجه بعيداً عن العواطف، مستنداً إلى فهم عميق لمرتكزات الحزب الفكرية التي لا تقبل المتاجرة بالدين. والابتزاز الذي تمارسه جماعة الهؤس الديني
تطاول الأمانة العامة: اختراق للأعراف التنظيمية وسقوط في الفوضى
في مقابل هذه الحكمة القيادية، تفاجأت قواعد الحزب ببيانات صادرة عن الأمانة العامة تُدخل على الحزب “ثقافة تنظيمة غريبة وغير مطروقة”، متمثلة في محاولة فصل المؤسسات وتذييل البيانات باسم “الأمانة العامة” كجسم منفصل، بدلاً من التذييل التاريخي المتعارف عليه باسم (حزب الأمة القومي) دون تجزئة، وهو ما يعكس سطحية حادة في الفهم التنظيمي من الأمين العام وطاقمه.
ان التراتبية الهيكلية تحدد دود
الأمانة العامة في نظم الأحزاب المؤسسية هي جسم تنفيذي بحت، يستمد صلاحياته ومشروعيته من الجسم التنفيذي الأعلى وهو رئيس الحزب. وبالتالي، ليس من صلاحيات الأمين العام – لا نصاً ولا روحاً – الحديث أو البت في القضايا الفكرية والاستراتيجية الكبرى للحزب.
وحتى لو افترضنا جدلاً حاجة الحزب لإصدار توضيح بشأن لغط حول أحد “المرتكزات الثمانية”، فإن هذا الاختصاص يقع أصلاً في يد رئيس المكتب السياسي، وليس أمانة تنفذ التكليفات اليومية.
”وقوف حمار الشيخ في العقبة” وخلط الأوراق السياسية.
إن البيانات والمواقف الالتفافية التي يحاول الأمين العام تسويقها لا تعبر عن جماهير وقواعد حزب الأمة العريضة، بل هي مواقف “لا تساوي عفطة حمل” في الميزان السياسي للحزب وقواعده الحقيقية.
والحقيقة المُرّة التي يجب أن تُقال بالفم الملآن: لو جئنا بالسيد الأمين العام اليوم وطرحنا عليه سؤالاً مباشراً عن مرتكزات الحزب الفكرية الثمانية، وعن أوجه التعارض المتوهمة بينها وبين تسمية “الدولة العلمانية”، لوقف “وقوف حمار الشيخ في العقبة”، عاجزاً عن تقديم تفصيل فكري رصين، مما يؤكد أن الدوافع وراء هذه البيانات هي مناورات سياسية شخصية واختزال لمواقف حزب بحجم وطن في تصفية حسابات ضيقة.
ان حسم العبث واجب القيادة العليا للحزب ممثلا في السيد /رئيس الحزب .
إن حالة خلط الأوراق والمناورة باسم حزب الأمة القومي واختزاله في بيانات فطيرة لم تعد مقبولة، وتشكل خطراً على تماسك الجبهة المدنية العريضة في لحظة تاريخية حرجة من تاريخ السودان.
إن هذا العبث يجب أن يتوقف فوراً، والمسؤولية كاملة تقع الآن على عاتق السلطة التنفيذية العليا ممثلة في رئيس الحزب، للحسم ووضع حد لهذه الفوضى التنظيمية، وإعادة الأمانة العامة إلى حجمها الطبيعي كجهاز تنفيذي خاضع للقيادة، لا منصة لإطلاق المواقف الشاردة




