
التنوير متابعات
في خطاب جديد أعاد فيه إنتاج العبارات ذاتها، جدد قائد الجيش الإسلاموي عبد الفتاح البرهان تمسكه بما يسميه “معركة الكرامة”، مؤكداً أن لا خيار سوى الاستمرار في القتال حتى “القضاء على العدو أو استسلامه”. خطاب بدا مألوفاً حد التكرار، لا يحمل جديداً سوى المزيد من التصعيد اللفظي، في وقت يرزح فيه ملايين السودانيين تحت وطأة النزوح والجوع وانهيار الخدمات.
البرهان تحدث عن “أبواب التوبة” المفتوحة أمام من وصفهم بالمغرر بهم، ووجّه رسائل للسياسيين داعياً إياهم للعودة إلى “صوت الحق”، ملوحاً بالمحاسبة لمن يواصل “العداء”. غير أن منتقدين رأوا في هذا الخطاب قدراً كبيراً من المفارقة، إذ يصعب الحديث عن “توبة” و”حق” و”محاسبة” بينما تستمر الحرب بلا أفق سياسي واضح، وتغيب أي مؤشرات لوقف إطلاق النار أو تخفيف المعاناة الإنسانية.
ويرى مراقبون أن إصرار قائد الجيش الإسلاموي على لغة الحسم المطلق يعكس حالة إنكار للواقع المعقد الذي تمر به البلاد، حيث لم تنجح أشهر طويلة من القتال في حسم الصراع، بينما اتسعت رقعة الدمار وتفاقمت الأزمة الاقتصادية والإنسانية. ويتساءل هؤلاء: إذا كانت “الكرامة” تقاس بمدى صمود الشعارات، فكيف تُقاس بمدى صمود المواطنين الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم؟
كما يشير منتقدو الخطاب إلى أن الحديث عن “الشرعية” و”المحاسبة” يفتقر إلى السند السياسي الواضح، في ظل غياب مؤسسات مدنية منتخبة، واستمرار إدارة البلاد بقرارات عسكرية. ويعتبرون أن تكرار مفردات التخوين والعدو لا يقدّم حلولاً، بل يعمّق الاستقطاب ويغلق أبواب التسوية.
وفي وقت تتعالى فيه الدعوات الإقليمية والدولية لوقف الحرب والانخراط في عملية سياسية شاملة، يبدو أن خطاب قائد الجيش الإسلاموي يسير في اتجاه معاكس، مكتفياً بإعادة تدوير عبارات التعبئة، دون تقديم رؤية واقعية لكيفية الخروج من الأزمة.
وبينما تتواصل المعاناة اليومية للسودانيين، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تكفي الشعارات لإعادة بناء دولة، أم أن البلاد تحتاج إلى بوصلة سياسية جديدة تعترف بأن الحرب، مهما طال أمدها، ليست بديلاً عن الحل؟




