رأي

كرامة بلا دولة

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

يواصل قائد الجيش الإسلاموي عبد الفتاح البرهان تكرار خطابه حول ما يسميه “معركة الكرامة”، مؤكداً أنه لا خيار سوى الاستمرار في القتال حتى “القضاء على العدو أو استسلامه”. غير أن هذا الطرح، الذي يُقدَّم بوصفه موقفاً حاسماً، يتجاهل سؤالاً جوهرياً: ماذا تبقى من الدولة التي يُفترض أن تُصان كرامتها؟

منذ اندلاع الحرب، تكبّد السودان خسائر بشرية واقتصادية جسيمة. ملايين المواطنين بين نازح ولاجئ، ومدن كاملة تضررت بنيتها التحتية، ومؤسسات الدولة المدنية تكاد تكون مشلولة. في هذا السياق، يصبح الإصرار على الحسم العسكري وحده مقاربة أحادية لا تعترف بتعقيدات الواقع، ولا تفتح أفقاً سياسياً واضحاً للخروج من الأزمة.

الحديث عن “لا حل سوى المعركة” يتناقض مع تجارب النزاعات الممتدة، التي أثبتت أن الحسم العسكري في الحروب الداخلية نادراً ما يُنتج استقراراً دائماً. بل غالباً ما يرسّخ انقسامات أعمق، ويضاعف كلفة إعادة البناء. ومع غياب مؤسسات منتخبة أو توافق وطني شامل، يظل القرار محصوراً في دائرة عسكرية ضيقة، بينما يتحمل المواطن العبء الأكبر.

كما أن خطاب “التوبة” و”العودة إلى صوت الحق” الذي يوجهه قائد الجيش الإسلاموي إلى خصومه السياسيين والمقاتلين، يطرح إشكالية أخرى تتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فالدولة الحديثة تقوم على التعددية والاحتكام إلى القانون، لا على تصنيفات أخلاقية أو دعوات مشروطة بالاصطفاف خلف جهة بعينها. تحويل الصراع السياسي إلى ثنائية “حق” و”عداء” يغلق المجال أمام تسوية وطنية جامعة.

في المقابل، تتزايد الدعوات الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار والانخراط في عملية سياسية شاملة تفضي إلى انتقال مدني مستدام. غير أن استمرار الخطاب التصعيدي يضع السودان في مواجهة عزلة متنامية، ويؤخر فرص الاستفادة من أي دعم اقتصادي أو إنساني يمكن أن يخفف من حدة الانهيار الراهن.

الكرامة الوطنية لا تنفصل عن كرامة المواطن الفرد. ولا يمكن الحديث عن صون السيادة بينما تتآكل مقومات الحياة الأساسية من صحة وتعليم وخدمات. فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض المعارك، بل بقدرتها على حماية شعبها وضمان الحد الأدنى من الاستقرار.

إن التمسك بخيار واحد، وإغلاق الباب أمام البدائل السياسية، يحمل مخاطر استراتيجية على مستقبل البلاد. السودان بحاجة إلى رؤية تتجاوز منطق الغلبة العسكرية، وتعيد الاعتبار للحل السياسي بوصفه المسار الأقل كلفة والأكثر استدامة.

اللحظة الراهنة تتطلب شجاعة من نوع مختلف: شجاعة الاعتراف بأن الحرب، مهما طالت، لن تبني دولة، وأن الكرامة الحقيقية تبدأ بوقف النزيف وفتح الطريق أمام تسوية تعيد للسودان توازنه المفقود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!