
أبو عبدالله الراشدي
في زمن تتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي، يبدو أن بعض غرف التحرير ما زالت عالقة في عصور الشائعات الثقيلة. الخبر الذي نشره رئيس تحرير صحيفة “الدار” مبارك البلال، والمشكك في ظهور قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) في أوغندا، لم يقدّم سبقاً صحفياً بقدر ما قدّم نموذجاً صريحاً لكيفية صناعة ضجيج بلا دليل، ثم تقديمه للقراء في صيغة “خبر” مكتمل الأركان.
من المهم هنا التوقف عند توصيف المادة المنشورة: لم تكن مقال رأي يحتمل التأويل، بل خبرًا إخباريًا يفترض فيه الالتزام الصارم بقواعد التحقق، والدقة، ونسبة المعلومات إلى مصادر واضحة. لكن ما قُدِّم كان مزيجاً من التكهنات والافتراضات، مغلفاً بلغة تقريرية توحي بوجود معلومات خطيرة، بينما لا توجد وثيقة واحدة أو مصدر مسمّى يمكن للقارئ الرجوع إليه.
الخبر لم يكتفِ بالتشكيك في الظهور العلني لحميدتي في العاصمة الأوغندية كمبالا، بل نسج رواية كاملة: استخبارات أميركية تتابع، قرارات محتملة إذا ثبتت الوفاة، ومقاطع قد تكون صُنعت بالذكاء الاصطناعي! كل ذلك دون إيراد تصريح رسمي مباشر، أو وثيقة مسربة، أو حتى مصدر “مطلع” يمكن مساءلته. فقط عبارات فضفاضة من نوع “يُقال” و”قد تكون”، وكأن الاحتمال أصبح بديلاً للحقيقة.
المفارقة الساخرة أن الخبر يستند إلى “احتمال” استخدام الذكاء الاصطناعي لتزييف الظهور، بينما يتجاهل أبسط قواعد العمل الصحفي: مقارنة التسجيلات المتعددة، التحقق من زمن ومكان الحدث، مطابقة شهادات الحضور، أو التواصل مع جهات مستقلة في أوغندا. فظهور حميدتي تم في فعالية علنية، بحضور عدد من الأنصار، وتداولته مقاطع من زوايا مختلفة التقطتها هواتف متعددة. فهل تحولت كمبالا إلى مسرح خدعة رقمية متكاملة؟ أم أن كل تلك الشهادات جزء من “سيناريو كوني” محبوك بإتقان خارق؟
ثم إن استدعاء اسم الاستخبارات الأميركية، في سياق مقارنات مع ملفات دولية أخرى، لا يمنح الخبر ثقلاً، بل يكشف هشاشته. فالصحافة الجادة لا تبني أخبارها على إسقاطات بعيدة أو مقارنات درامية. إما أن هناك معلومة موثقة، أو لا شيء. وما بينهما مساحة اسمها الرأي أو التحليل، لا يجوز تمريرها كخبر.
اللافت أن الرد جاء من حميدتي نفسه بعبارة مقتضبة خلال ظهوره في كمبالا: “أنا قدامكم ياهو ما ذكاء صناعي”. قد يختلف السودانيون سياسياً حول الرجل، لكن الجدل هنا ليس حول مواقفه، بل حول مستوى المهنية في نقل الوقائع. إنكار ما هو مرئي ومتاح للتدقيق لا يعكس شجاعة صحفية، بل ارتباكاً تحريرياً.
إن أخطر ما في الأمر ليس الخطأ ذاته، بل تحويل الإشاعة إلى “خبر”، وتقديم الفرضية في ثوب الحقيقة. فالصحافة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مساحة للتأويل. وعندما يُستبدل التحقيق بالتهويم، ويُستخدم “الذكاء الاصطناعي” كشماعة لسد فجوات المنطق، فإن المشكلة لا تكون في التقنية، بل في طريقة توظيفها خطابياً.
قد يخدع الذكاء الاصطناعي بعض العيون، لكن الغباء الصحفي حين يُنشر في صيغة خبر يفضح نفسه بنفسه، ويضع صاحبه أمام سؤال بسيط: أين الدليل؟




