
عماد جدو
حين يُذكر اسم الدكتور كامل إدريس، يتبادر إلى الذهن منصبه الدولي الرفيع مديرًا عامًا لـالمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) في مطلع الألفية. وهي المنظمة التي تُعنى بحماية الإبداع الإنساني، وتكريس مبدأ أن للمبدع حقًا أصيلًا في مصنفه الأدبي أو الفني أو العلمي، بمجرد ابتكاره، وأن له حقوقًا أدبية ومعنوية تمنع تحريف عمله أو تشويهه، إلى جانب حقوق مالية تضمن له عائدًا من نشره واستغلاله.
قانون الملكية الفكرية يقوم على ركيزتين:
الحق الأصيل الذي يثبت للمؤلف، والحقوق المجاورة التي تُمنح لمن يسهمون في الأداء أو النشر دون أن يكونوا أصحاب الفكرة الأولى. هذا البناء القانوني ليس مجرد نصوص جامدة، بل منظومة أخلاقية قوامها النزاهة، والاعتراف بالفضل لأهله، وصون الحقوق من التعدي.
غير أن مسيرة إدريس في الويبو لم تخلُ من جدل، إذ أثيرت آنذاك قضية تتعلق بمسألة تاريخ الميلاد وما صاحبها من لغط إداري وإعلامي كثيف داخل المنظمة. ومهما اختلفت الروايات، فإن من يتبوأ موقعًا على رأس مؤسسة أممية تُعنى بحماية الحقوق، يُفترض فيه أن يجسد أعلى معايير الشفافية والالتزام الأخلاقي.
اليوم، يعود اسم كامل إدريس إلى المشهد السوداني بعد تكليفه من الفريق أول عبد الفتاح البرهان برئاسة الوزراء ضمن ما يُعرف بحكومة بورتسودان. وهنا يبرز السؤال السياسي: ما هو موقع هذه الحكومة من «الحق الأصيل» الذي صنعته جماهير ثورة ديسمبر 2019 حين اقتلعت نظام عمر البشير؟
وفق قراءة نقدية يطرحها كثيرون، فإن أصحاب «الحق الأصيل» في المشهد السوداني هم جماهير الشعب التي صنعت التغيير بدمائها وتضحياتها. أما من تسلّقوا إلى السلطة عبر ترتيبات ما بعد الثورة، دون تفويض انتخابي مباشر، فيُنظر إليهم بوصفهم أقرب إلى «أصحاب أدوار مجاورة» في أفضل الأحوال.
ويذهب بعض منتقدي الحكومة أبعد من ذلك، فيشبّهون المشهد بعمل فني يؤديه شخص لا هو كاتبه ولا ملحنه؛ أداء بلا ملكية، وحضور بلا جذور. وبحسب هذا الطرح، فإن السلطة القائمة في بورتسودان تمارس دورًا سياسيًا منفصلًا عن الروح الأصلية للثورة، بل يتهمها خصومها بمحاولة إعادة تدوير منظومة الإنقاذ عبر تحالفات مع قوى نافذة ولجان أمنية وبعض دوائر الإقليم.
وتتجلى خيبة أمل قطاعات من السودانيين في ملف العلاقات الخارجية، خاصة بعد زيارة كامل إدريس إلى مصر، حيث كان بعضهم يأمل في أن يطرح بوضوح قضية السودانيين المحتجزين والعالقين. غير أن تصريحاته بأن الزيارة مخصصة لملفات أخرى فُسرت من قبل منتقديه باعتبارها مؤشرًا على أولويات لا تضع معاناة المواطنين في الصدارة.
إن المفارقة التي يصوغها هذا الجدل أن رجلًا ارتبط اسمه يومًا بحماية «الحقوق الأصيلة» للمبدعين، يجد نفسه اليوم في قلب معركة سياسية حول من يملك «الحق الأصيل» في تمثيل الشعب السوداني. وبين القانون والسياسة، يظل السؤال الأخلاقي قائمًا: هل يكفي التاريخ المهني الرفيع ليمنح شرعية سياسية، أم أن الشرعية – كحق المؤلف – لا تثبت إلا لمن أبدع الفعل من جذوره؟
في السودان اليوم، لا يدور الصراع فقط حول السلطة، بل حول تعريف «الملكية» نفسها: من يملك الثورة؟ ومن يملك القرار؟ ومن يملك حق التحدث باسم شعب أنهكته الحرب والانقسام؟
ذلك هو السؤال الذي سيحدد ما إذا كان الحاضر امتدادًا لحق أصيل… أم مجرد أداءٍ عابر.




