
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
في عام 2007 ظهر إلى العلن واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل حول شمال دارفور. اكتشاف تكوينات مائية عميقة عبر صور رادارية التقطها القمر الصناعي الأميركي. الفريق الذي عمل على تحليل البيانات ضم باحثين من مؤسسات علمية إيطالية وأميركية، وكان من أبرز الأسماء المرتبطة بالتحليل الجيولوجي البروفيسور Farouk El-Baz (فاروق الباز)، مدير مركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن آنذاك، والذي تحدث عن وجود نظام تصريف نهري قديم قد يدل على مخزون مياه جوفية كبير تحت الرمال.
الإعلان الإعلامي تحدث بلغة كبيرة عن (بحيرة بحجم ضخم) مدفونة تحت شمال دارفور. هذا التوصيف انتشر سريعاً في الصحافة العالمية. بعد ذلك بأسابيع نشرت مجلة Nature (نيتشر) مقالاً بعنوان
Darfur lake is a ‘mirage’ بقلم الصحفي العلمي Declan Butler (دكلان باتلر)، نقل فيه آراء جيولوجيين آخرين قالوا إن البيانات الرادارية تشير إلى قنوات قديمة ورواسب، لكنها لا تثبت وجود (بحيرة قائمة) بالحجم الذي جرى تداوله.
الخلط الكبير حدث بين احتمال وجود مياه جوفية وبين مصطلح (بحيرة ضخمة جاهزة للاستخدام) كما رُوّج إعلامياً. الإعلام اختصر الفرق بين (نظام أنهار قديم قد يحتوي على خزانات جوفية) و(بحيرة بحجم ولاية كاملة)، والسياسة استثمرت القصة، ثم تحولت إلى عنوان مبسط. (الخبر كذبة).
هذا التبسيط خلق رواية مضادة تقول إن الحديث عن مياه شمال دارفور كان وهماً بالكامل. بين المبالغة الأولى والتكذيب المتعجل ضاعت الحقيقة الوسطى. شمال دارفور يقع ضمن حوض جيولوجي صحراوي واسع يحتوي بالفعل على أنظمة مياه جوفية عميقة ممتدة عبر الصحراء الكبرى. المشكلة لم تكن في وجود المياه كفرضية علمية، بل في طريقة تسويقها. عندما يُعلن اكتشاف بلغة إنقاذية، ثم يأتي تصحيح علمي هادئ، يتحول التصحيح في وعي الناس إلى (نسف كامل).
سياسياً، هذا الجدل جاء في توقيت حساس. الإقليم كان تحت ضغط دولي كثيف، وأي خبر يحمل وعداً تنموياً كبيراً كان قابلاً للاستثمار إعلامياً. وعندما خفتت الضجة، بقي الواقع كما هو. موارد محتملة تحت الأرض، وصراع فوقها.
على عثمان محمد طه (Ali Osman Mohamed Taha). الحفر الذي لم يتم
البروفيسور Farouk El-Baz (فاروق الباز) طلب حفر بئر واحدة فقط لإثبات نظريته حول وجود مياه جوفية في شمال دارفور، ووجّه طلبه إلى نائب الرئيس في ذلك الوقت، على عثمان محمد طه (Ali Osman Mohamed Taha). على عثمان محمد طه وافق صورياً، لكن لم تُحفر أي بئر واحدة على الأرض، ولم يُنفّذ أي اختبار عملي.
القرار الرسمي بقي شكلياً، ولم يترجم إلى خطوات علمية حقيقية، ما وضع الحكومة أمام تساؤل واضح حول من تراعي ولمصلحة من تعمل. أي اكتشاف علمي يمكن أن يتحول إلى أداة سياسية، بينما يبقى الشعب والإقليم خارج دائرة الفائدة الحقيقية.
طرح هذا الوضع سؤالاً أكبر. هل نهضة الأقاليم كانت ضد استراتيجيتهم في الحكم؟
الحركة نحو التنمية والاهتمام بالمناطق الإقليمية لم تتماشى مع مصالح السلطة المركزية، بل شكلت تحدياً لهيمنتها على الموارد، وطرحت إمكانية تحريك القوى المحلية بما يتجاوز السيطرة المباشرة. أي محاولة لإبراز قيمة الموارد أو تطوير البنية التحتية في دارفور أو غيرها من الأقاليم كانت تواجه دائماً ردة فعل من أجهزة الدولة، بهدف الحفاظ على الاستراتيجية المركزية للسلطة، وليس لخدمة التنمية الحقيقية.
ماذا يعني وجود الموارد المائية في شمال دارفور؟
شمال دارفور يقع ضمن حوض جيولوجي صحراوي واسع يحتوي على أنظمة مياه جوفية عميقة تمتد عبر المنطقة. هذا الوضع يجعل الإقليم عنصر قوة محتمل على المستويين المحلي والدولي، إذ ترتبط المياه بالأمن الغذائي، والطاقة المستدامة، واستقرار السكان.
وجود هذا الكم من المياه الجوفية يفتح أربعة مسارات مباشرة.
توسّع زراعي طويل المدى. إدارة المياه الجوفية بطريقة علمية تسمح بزراعة مساحات واسعة، وتخفيف الضغط على الموارد السطحية، وتقليل النزاعات التقليدية على الأرض.
استقرار سكاني واستراتيجي. مصدر مائي دائم يحد من النزوح ويمنح القبائل والمجتمعات المحلية إمكانية البقاء في أراضيها.
ورقة تفاوض سياسية قوية. السيطرة على الموارد الطبيعية تمنح أي قوة أو إدارة محلية مزيداً من القوة في أي اتفاقات سياسية أو تفاوض دولي.
إمكانات اقتصادية مستقبلية. المياه الجوفية عنصر أساسي لمشاريع الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر والصناعات المستقبلية التي تعتمد على موارد مستقرة.
الفاشر (Al-Fashir). بوابة شمال دارفور وقيمتها في سوق الموارد
الفاشر (Al-Fashir) تمثل عقدة استراتيجية للسيطرة على شمال دارفور. موقعها يربط بين طرق الشمال والغرب والوسط، ويجعلها مركز إدارة، إمداد، وتوجيه الحركة السكانية والعسكرية.
السيطرة على الفاشر تعني.
إدارة الإقليم من الناحية الإدارية والسياسية
التحكم في شبكات الطرق والتموين العسكري
التأثير على حركة القبائل والمجتمعات المحلية
الاحتفاظ بمركز القرار، سواء في التنمية أو الموارد
مع وجود مورد مائي محتمل عالي القيمة في شمال دارفور، تصبح الفاشر مفتاح التحكم في المنطقة، وتتحول إدارة المدينة إلى لاعب رئيسي في معادلة القوة الإقليمية وسوق الموارد.
المعادلة الاستراتيجية. الموارد، المدينة، والصراع
حين تجتمع ثلاثة عناصر.
صراع مسلح مستمر
مدينة مركزية استراتيجية
موارد طبيعية محتملة
يدخل الإقليم تلقائياً في دائرة تنافس معقدة على السلطة والموارد.
الحروب الحديثة تتحرك حول الموارد بقدر ما تتحرك حول السلطة. الماء أصبح عنصر أمن قومي واستراتيجي. المنطقة التي تجمع بين موقع مفتوح، موارد تحت الأرض، ومدينة مركزية قوية تتحول إلى ملف استراتيجي لا يمكن تجاوزه أو تجاهله.
الخلاصة
شمال دارفور يحمل قيمة مستقبلية كبيرة، والفاشر تمثل مفتاح السيطرة والتحكم في هذه القيمة.
من يدير الأرض بعقل استراتيجي يحسم المعادلة، ومن يقرأ الصراع بعين اللحظة فقط يخسر المستقبل. الموارد الطبيعية تحتاج وعيًا وتنظيمًا وإدارة استراتيجية، وإلا تتحول إلى أداة صراع إضافية على الأرض.
المراجع
Butler, D. (2007). Darfur lake is a ‘mirage’. Nature, 448, 394. https://doi.org/10.1038/448394a�
El-Baz, F. (2007). Remote sensing analysis of northern Darfur groundwater potential. Boston University, Center for Remote Sensing.




