رأي

برلين واختبار الإرادة الدولية في السودان

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

تتجه الأنظار إلى العاصمة الألمانية برلين، حيث يُعقد في 15 أبريل اجتماع الآلية الخماسية، في محاولة جديدة لكسر الجمود الذي يطبع الأزمة السودانية. غير أن هذا الاجتماع لا يأتي في ظرف عادي، بل في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، حيث تداخلت الحرب مع تفكك الدولة، وتعمّقت الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

على مدار أربعة أعوام، لم تعد الحرب مجرد صراع مسلح بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى منظومة معقدة تتغذى على اقتصاد الحرب، وتستند إلى توازنات ميدانية هشة، وتقاطعات إقليمية ودولية متشابكة. هذا الواقع جعل من أي جهد دبلوماسي، بما في ذلك مبادرة الآلية الخماسية، محكومًا بسقف محدود من التأثير، ما لم يُدعّم بإرادة سياسية حقيقية وأدوات ضغط فعالة.

المعضلة الأساسية لا تكمن فقط في تعنت الأطراف المحلية، بل أيضًا في غياب رؤية دولية موحدة. فبينما تسعى بعض القوى إلى احتواء الأزمة ومنع تمددها، تنظر أطراف أخرى إليها من زاوية المصالح والنفوذ، وهو ما ينعكس سلبًا على فرص إنتاج مبادرة متماسكة وقابلة للتنفيذ. وفي ظل هذا التباين، تجد القوى السودانية مساحة أوسع للمناورة، ما يطيل أمد الصراع ويُعقّد فرص التسوية.

داخليًا، تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا. فالثقة بين المكونات السياسية والعسكرية تكاد تكون معدومة، فيما أدت سنوات الحرب إلى تعميق الانقسامات المجتمعية، وخلق واقع جديد يصعب تجاوزه عبر تسويات تقليدية. كما أن تصاعد الخطاب التعبوي، وتنامي اقتصاد الحرب، جعلا من السلام خيارًا مكلفًا لبعض الأطراف، مقارنة باستمرار القتال.

ورغم هذه التحديات، لا يمكن التقليل من أهمية اجتماع برلين. فنجاحه حتى ولو كان محدودًا قد يفتح الباب أمام وقف مؤقت لإطلاق النار، ويسهم في إيصال المساعدات الإنسانية، ويمهد لمسار سياسي أوسع. غير أن الفشل، في المقابل، قد يعزز منطق الحسم العسكري، ويدفع نحو مزيد من التدويل، وربما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، بما في ذلك إعادة تشكيل الخريطة السياسية للبلاد.

إن اختبار برلين ليس مجرد اجتماع دبلوماسي، بل هو اختبار لقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الأزمة إلى السعي الجاد لحلها. كما أنه، في جوهره، اختبار للإرادة السودانية نفسها: هل تنجح في تغليب منطق التسوية وإنقاذ ما تبقى من الدولة، أم تستمر في دوامة صراع قد يطول أمده وتتعاظم كلفته؟

في نهاية قد لا يحمل هذا الاجتماع حلًا سحريًا، لكنه يظل فرصة ربما من بين الفرص القليلة المتبقية لوضع السودان على مسار مختلف، أقل كلفة وأكثر أملًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!