رأي

السودان بين إعادة تعريف الذات وكسر منطق الوصاية

دكتور احمد التجاني سيد أحمد

 

 د. أحمد التيجاني سيد أحمد

قيادي ومؤسس بتحالف تأسيس

أثارت زيارة رئيس تحالف تأسيس الفريق أول محمد حمدان دقلو إلى كمبالا جدلاً سياسياً وإعلامياً واسعاً، لا سيما بعد المقال الذي كتبته الدكتورة أماني الطويل، والذي قرأ الزيارة بوصفها تحركاً يجري تحت مظلات إقليمية ودولية معقدة. غير أن هذا الطرح، على ما فيه من اجتهاد سياسي مشروع، يغفل سؤالاً بنيوياً أعمق يتعلق بموقع السودان نفسه في معادلات الجغرافيا والسيادة.

السودان، بحكم الجغرافيا والتاريخ والبنية السكانية، دولة إفريقية بامتداد عربي، لا العكس. وبالتالي فإن أي تحرك داخل الفضاء الإفريقي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره التفافاً تكتيكياً أو اصطفافاً بديلاً، بل تعبيراً طبيعياً عن مجال حيوي ظل لسنوات طويلة أقل حضوراً في هندسة السياسة الخارجية الرسمية. إن قراءة الانفتاح الإفريقي باعتباره نتيجة “ضوء أخضر” من عواصم بعينها، تنطوي ضمناً على تقليل من استقلالية القرار الإفريقي نفسه، وكأن القارة لا تملك إرادتها السياسية.

المشكلة ليست في الزيارة بحد ذاتها، بل في زاوية النظر إليها. حين يضعف الحضور الرسمي السوداني في العواصم الإفريقية، تملأ الفراغ أطراف أخرى. هذه ليست مؤامرة، بل نتيجة طبيعية لاختلال ميزان الحركة الدبلوماسية. لقد تراكم الحضور العربي في المجال السوداني لعقود، بينما ظل الامتداد الإفريقي أقل انتظاماً وأضعف استثماراً. إعادة التوازن هنا ليست قطيعة، بل تصحيح مسار.

إن الدولة الطبيعية لا تُعرّف نفسها بمحور واحد. والسودان أكبر من أن يُختزل في جغرافيا سياسية ضيقة، أو أن يُقرأ من خلال ثنائية الانتماء العربي مقابل الإفريقي. فهويته المركبة ليست تناقضاً، بل مصدر قوة إن أُحسن توظيفه. لذلك فإن التحرك نحو العمق الإفريقي لا يعني استبدال محور بآخر، بل كسر منطق الاحتكار الأحادي الذي تعامل مع السودان، في بعض المراحل، باعتباره مجال نفوذ أكثر من كونه دولة سيادة.

فكرة “الحديقة الخلفية” التي تُستدعى أحياناً في الخطاب السياسي ليست توصيفاً بريئاً، بل تصوراً يفترض التبعية الضمنية ويصادر القرار الوطني. السودان لم يكن ملحقاً استراتيجياً لأحد، حتى في لحظات ضعفه. وإذا كان ثمة من يرى في إعادة التوازن تهديداً، فذلك لأن ما يتراجع ليس علاقة تاريخية، بل منطق الاحتكار ذاته.

إن زيارة قائد سياسي سوداني إلى دولة إفريقية، ولقاءه بجاليات ونازحين في فضاء يتيح لهم التعبير بحرية، ينبغي أن يُقرأ في إطار أوسع: إطار إعادة تعريف السودان لنفسه دولة إفريقية عربية تتحرك بقرارها الحر، لا بوصفها تابعاً لمحور أو رهينة لرؤية خارجية.

السودان اليوم أمام لحظة مراجعة كبرى. والخيار ليس بين إفريقيا والعالم العربي، بل بين السيادة والوصاية، بين التوازن والاحتكار. والتحرك نحو التوازن لا يحتاج إلى إذن، ولا ينتظر شهادة اعتماد من أي عاصمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!