رأي

سقوط السلطة وتداعيات الخيانة: حالة مني اركو مناوي في دارفور.

سهيبة مريش

 

سهيبه مريش

يمثل المشهد السياسي المعقد في السودان، لا سيما في إقليم دارفور، دراسة حالة مؤلمة في تقلبات الولاءات وتكلفة القرارات الاستراتيجية الخاطئة. كانت شخصية مني اركو مناوي، أحد أبرز قادة الحركات المسلحة في دارفور، محورية في رسم ملامح الصراع والإدارة المحلية لعقود من الزمن. ومع ذلك، فإن التحولات الأخيرة في موازين القوى، وتحديدًا الانحياز الصريح لطرف دون الآخر في الصراع الدائر حاليًا، أدت إلى تراجعه المريع وخسارته شبه الكاملة لنفوذه وسلطته المفترضة. إن قصة سقوط مناوي، الذي فقد السيطرة على ما تبقى من أراضيه ونفوذه، تروي فصلاً جديدًا عن طبيعة السلطة الهشة المعتمدة على التحالفات المتقلبة بدلاً من القواعد الشعبية الصلبة.

لقد ارتبط اسم مني اركو مناوي تاريخيًا بمسار الصراع في دارفور، حيث مثل حركة تحرير السودان التي طالبت بالعدالة والتنمية للإقليم المهمش. ورغم توقيعه على اتفاقيات سلام متعددة، كان نفوذه الفعلي دائمًا موضع تساؤل، خاصة بعد أن تحول من مطالب عادل إلى لاعب سياسي يسعى للحفاظ على مكاسبه المادية والسياسية. النقطة الفاصلة في مسيرته الأخيرة كانت قراره المصيري بالانحياز الصريح لجيش الارهابي جيش الحركة الإسلامية المتمثلة في القوات المسلحة السودانية، متخليًا عن أي قناع للحيدة أو البراغماتية التي ربما حاول التمسك بها سابقًا. هذا الانحياز لم يكن وليد اللحظة بل كان نتيجة رهان سياسي كبير، يفترض أن يكون هذا التحالف هو بوابته لاستعادة مجد سابق أو تعزيز وضعه الراهن.

إلا أن هذا الرهان، الذي تم تحت شعار محاربة الخصم الحالي، أدى إلى نتيجة عكسية تمامًا. لقد وضعه هذا الموقف في خندق الخاسرين على المدى القصير والبعيد بالنسبة للكثيرين في دارفور. القوى التي انحاز إليها لم تتمكن من تثبيت سيطرتها بشكل كامل، بل إن هذا الانحياز أفقده الغطاء الأخلاقي الذي كان يتمتع به لدى جزء من المؤيدين السابقين الذين رأوا فيه خيانة للمظلومين. عندما يختار قائد الانحياز إلى طرف يُتهم بالاستمرارية في نهج قديم، فإنه يخاطر بتصوير تمرده السابق على أنه مجرد سعي للمصلحة الشخصية لا أكثر.

التدهور الأخير في مكانة مناوي تجسد بشكل درامي في فقدانه لمناطق النفوذ الأخيرة. خبر فقدان منطقة الطينة، التي كانت تعتبر آخر معاقله أو منطقة ذات أهمية رمزية، يمثل ضربة قاصمة لصورته كحاكم أو قائد مؤثر في دارفور. إن فقدان السيطرة المادية على الأرض يؤدي حتمًا إلى فقدان الشرعية في نظر المحليين. عندما يُطرد القائد من منطقته، حتى لو كانت صغيرة، يصبح مجرد لاجئ سياسي أو قائد منفى، غير قادر على حماية أتباعه أو تسيير شؤون من يدعون ولاءهم له.

الواقع اليوم يظهر مني مناوي في موقف لا يُحسد عليه. التحولات التي شهدها الإقليم، وخاصة الصراع الحالي بين الجيش وقوات الدعم السريع، أظهرت أن القادة القدامى قد فقدوا قدرتهم على توجيه الأحداث. المناشدات والشكوى التي قد تصدر عنه الآن تبدو وكأنها ندم متأخر أو محاولة يائسة لاستدرار العطف السياسي، لكنها تفشل في إخفاء حقيقة أنه فقد أدوات قوته. المؤلم في الأمر أن هذه النزاعات والتحولات أدت مجددًا إلى نزوح وتشرد أهله، وهو تكرار مأساوي للتاريخ الذي كان يزعم أنه يسعى لتغييره عندما كان يشن تمرده السابق انطلاقاً من معسكرات النازحين. هذا التكرار يثير التساؤلات حول جدوى حركته الأولية وقيمة التضحيات التي قدمت باسمها.

في هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي لعبه القائد محمد حمدان حميدتي. التقارير تشير إلى أن حميدتي لم يطلب بشكل مباشر من مناوي التدخل، مما يعني أن قرار الانحياز كان قرارًا استباقيًا من مناوي نفسه، راهنًا على أن هذا التحالف سيضمن له موقعًا في مستقبل السلطة. هذا الرهان الفلنقاوي كما قد يوصف في بعض الأوساط، أثبت خطورته عندما لم يتحقق السيناريو المتوقع لانتصار الطرف الذي انحاز إليه. لقد أظهرت التجربة أن الولاءات التي تُبنى على المصالح الآنية والمالية، كما يُتهم مناوي بأنه اعتمد عليها في إدارة أتباعه، هي ولاءات هشة تنكشف عند أول اختبار حقيقي للقوة.

ما يجب على مني اركو مناوي أن يستوعبه الآن هو أن السياسة في دارفور، كما في أي مكان آخر، تتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز المكاسب اللحظية. ربما يحتاج إلى إعادة دراسة أمر معرفته بالسياسة ليس لإعادة الانخراط في صراعات القوة المباشرة، بل لفهم أعمق للديناميكيات الإقليمية والمجتمعية التي تحرك الصراع. القيمة الحقيقية للقائد لا تكمن في منصبه الحالي أو خسائره الأخيرة، بل في قدرته على استعادة الثقة عبر العمل لما فيه مصلحة شعبه، بعيدًا عن أجندات القوى المتصارعة حاليًا. فقدان النفوذ والوضع الحالي يمثلان نهاية مرحلة سياسية كانت تعتمد على إتقان فن المساومة والتحالفات المتقلبة، وبداية مرحلة تتطلب إما إعادة بناء شاملة للمصداقية أو الاعتراف بالهزيمة السياسية الكاملة. الخسارة الأخيرة في الطينة هي مؤشر واضح على أن ميزان القوى قد مال بشكل حاسم ضده، وأن المرحلة القادمة في دارفور ستحكمها قوى جديدة لم يعد له فيها دور فعال أو مؤثر..

وهكذا سوف تكون نهاية كل من يتلاعب بقضايا اهل الهامش المصيرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!