رأي

أزرق.. كُحل الشيخات وقلم الأميرات: هندسة الحوكمة في جولة التعايشي

أزرق.. كُحل الشيخات وقلم الأميرات: هندسة الحوكمة في جولة التعايشي

بقلم: نجوي بابو

بين وعورة المَسالك في جغرافيا غرب السودان، وحِمل المَسؤولية المثقل بتعقيدات الراهن، تكتسب حركة التاريخ طابعاً شاعرياً يُلخّص الواقع في أهزوجة. هكذا استقبلت رهيد البردي ونيالا والمجلد الأستاذ محمد حسن التعايشي رئيس وزراء حكومة السلام والوحدة الانتقالية لم يكن الاستقبال محفوفاً بالبروتوكولات الجافة، بل أُحيي فيه الهتاف الطلابي القديم المتجدد أزرق.. كُحل الشيخات وقلم الأميرات ،ليتجاوز حدود المديح السياسي إلى رحاب التحليل الاجتماعي، والخدمي، والسياسي المباشر.

في الثقافة السودانية، لا يُمثّل اللقب مجرد جناس لفظي، بل هو شيفرة سيميائية عميقة. وصف الأزرق هو استدعاء للأصالة والصلابة الفكرية التي لا تشوبها التنازلات. وعندما تقترن الأصالة بـ كُحل الشيخات وقلم الأميرات يُنزع اللقب من سياق النخبوية ليُعاد غمسه في وجدان الإرث الاجتماعي فهو يمثل القائد الذي يُزيّن تاريخ قومه كالكُحل، ويمسك بزمام القرار كالقلم. فلسفياً، يعكس المشهد الدائرية التاريخية فالفتى الذي خرج من رهيد البردي متسلحاً بالفصاحة في منابر كيان الطلاب الأنصار، يعود اليوم كاتبًا لصفحة جديدة من صفحات الحوكمة في ظروف انتقالية استثنائية.

حملت مليونية التعافي والطمأنينة في نيالا ومستقبلو رئيس الوزراء في المجلد دلالات بالغة الأهمية من حيث طبيعة الحضور القيادي الذي اصطف للاستقبال ، فمن قيادات الإدارة الأهلية من أمراء ونُظّار، إلى كوادر تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) الموالي لقوات الدعم السريع، تجسّد الالتفاف حول مشروع حكومة السلام والوحدة .كما شهدت اللقاءات حضوراً لافتاً من ممثلي الحكامات والأميرات وقيادات في المجتمع المحلي، لتأكيد دور المرأة في دعم الاستقرار الإقليمي.

ولم تقف الزيارة عند حدود الرمزية، بل تحولت إلى برنامج عمل تنفيذي يلامس الاحتياجات الاقتصادية والخدمية الملحة للمواطنين .ركّز التعايشي في خطاباته على إرساء دعائم الإدارة الذاتية واللامركزية الخدمية لإنعاش الأسواق المحلية ومثّلت الزيارة لولايات دارفور وكردفان وهي مناطق ثقل زراعي وحيواني كبرى رسالة طمأنينة للمزارعين والرعاة لحماية الموسم الإنتاجي، كما ناقشت اللقاءات الميدانية في العاصمة الإدارية نيالا ملفات عاجلة لإعادة تشغيل المرافق الطبية، ومحطات المياه، وشبكات الكهرباء المتطورة.

بعيداً عن المجازات، تفرض هذه الجولة واقعاً سياسياً جديداً يهدف إلى رسم توازنات القوة وتفكيك العزلة الجغرافية. الجولة ترسل رسالة واضحة للمجتمعين الإقليمي والدولي بأن هناك سلطة تنفيذية تدير شؤون المواطنين في مناطق واسعة من السودان، وتقوم بمهام الحوكمة وبسط الأمن .

إن عبارة من رهيد البردي جانا زائر تحمل في طياتها دلالة عميقة فالقائد لا يزور منطقته كغريب، بل يعود إليها كابنٍ يحمل أمانة التغيير. ويبقى التحدي الأكبر أمام ازرق هو كيف يظل قلمًا يخط به السودانيون ملامح عهد جديد من السلام والوحدة، وكحلاً يُداوي مآقي الوطن الذي أضنته الصراعات، لتصنع الجذور ملامح المستقبل الحتمي.

تغادر مواكب رئيس الوزراء هذه الجغرافيا الوعرة، لتترك خلفها ما هو أبقى من الوعود السياسية تترك فصولاً دراسية فُتحت بعد طول إغلاق لتعيد للشهادة السودانية ألقها، ومراكز صحية طرق هُيئت لترسيخ حق الإنسان في الحياة والتنمية. لقد أثبتت جولة رئيس وزراء حكومة السلام، الأستاذ محمد حسن التعايشي، أن الهتاف القديم المتجدد لم يكن رثاءً لماضٍ بل بشارة لمستقبل يبدأ بـالتأسيس .هكذا يكتب قلم الأميرات اليوم فصلاً جديداً من فصول التماسك في ربوع غرب السودان، محولاً شفرة ’ازقة الثقافية إلى نموذج حوكمة ميداني يربط تعافي الوطن بسلامة وبناء أطرافه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!