
فيصل شرف
لا يمكن مداواة جسد الدولة السودانية بمسكنات الدبلوماسية بينما العلة تكمن في رحم عسكري مسموم أدمن إنجاب التوائم السيادية المشوهة
فما نراه اليوم ليس صراعاً عابراً بل هو مخاض عسير لإنهاء حقبة هذا الرحم المليشياوي الذي استولد أكثر من عشرين مليشيا في ثلاث سنوات فقط
وهي الكيانات التي لم تخرج للوجود صدفة بل شيدتها الحركة الإسلامية تحت حماية ورعاية النخبة النيلية التي احتكرت مفاصل هذه المؤسسة تاريخياً
وحولتها من درع للوطن إلى أداة لضمان امتيازات جهوية ضيقة تقتات على بقاء الدولة في حالة ارتهان دائم لصالح فئة بعينه
ويتجلى هذا الاختطاف بوضوح في الارتماء السافر في أحضان المحور الإيراني حيث تجاوز الأمر حدود التقارب السياسي ليصبح جسراً جوياً يمد الجيش بمسيرات الدرونز
هذه المسيرات أصبحت المحرك الفعلي للعمليات مما يضع دول الجوار وعلى رأسها السعودية أمام استحقاق المواجهة مع أوهامها الدبلوماسية
فكيف تستمر الرياض في تسويق فرية دعم المؤسسات وهي ترى هذه المؤسسة ذاتها تتحول إلى منصة متقدمة للنفوذ الإيراني الذي يهدد أمن البحر الأحمر
إنها مفارقة الهروب من الحقيقة عبر بوابة دعم اللا دولة التي يقودها جنرالات الحركة الإسلامية المتدثرين بالبزة العسكرية
وهنا تبلغ السخرية السياسية ذروتها حين نجد السعودية التي تصف الدعم السريع اليوم بالمليشيا هي ذاتها التي لعبت دور المهندس السياسي الذي منحها الشرعية
لقد استقبلت الرياض هذه القوات ومنحتها الغطاء الإقليمي واستخدمتها لسنوات في حماية أراضيها وحدودها الجنوبية وما زالت تحتضن ملفاتها حتى الآن
هذا التيه الاستراتيجي هو الذي يشرعن اليوم لجيش الحركة الإسلامية استلاب بقية مؤسسات الدولة المدنية والعدلية وتجفيف منابعها تماماً
حيث يتم تحويل ميزانيات الصحة والتعليم لصالح صفقات السلاح الإيراني المشبوهة في مقامرة مفضوحة تبيع سيادة البلاد مقابل بقاء تنظيم منبوذ
إن صراع المحاور المشتعل بين واشنطن وطهران يضع حلفاء أمريكا في المنطقة أمام خيار صفري إما التوقف عن مداهنة هذا النظام أو الغرق معه
ولم يكن رحيل المبعوث الأممي رمطان لعمامرة إلا سقوطاً لآخر ورقة توت دبلوماسية كانت تستر عورة التحالف مع النخبة النيلية وحلفائها الإيديولوجيين
فالرهان على لعمامرة كان رهاناً على خلفيته المنحازة لمنظومة الدولة القديمة وبرحيله يجد تنظيم الحركة الإسلامية نفسه عارياً أمام المجتمع الدولي
إن الأزمة لم تكن يوماً في شخوص المبعوثين بل في عقيدة الاستعلاء التي ترفض الاعتراف بأن الدولة السودانية ليست ملكاً حصرياً لأحد
جوهر الحل لن يستقيم حال السودان إلا بجراحة سيادية تبدأ باستئصال هذا الرحم الملوث وتأسيس جيش جديد تماماً بعقيدة وطنية جديدة
جيش ينبت من تربة السودان المتنوعة ويعبر عن كل أقاليمه بالعدل بعيداً عن دهاليز التنظيمات والبيوتات النخبوية المسيطرة
نحن بحاجة لمؤسسة تدرك أن وظيفة العسكري هي حماية الدستور لا كتابته وحماية الحدود لا استيلاد المليشيات لمواجهة تطلعات الشعب
إن الحل لا يكمن في ترميم ما تهدم بل في بناء دولة مواطنة حقيقية لا تبيع قرارها في سوق النخاسة الدولية مقابل بقاء هيمنة نخب لفظها التاريخ
إن الجمهورية الأولى قد انتهت تماماً.. نحن الآن في مخاض الجمهورية الثانية، وإن طال السفر.




