الحلقة السادسة: الطاقة المستدامة – ضمان الوصول إلى طاقة نظيفة ومتجددة وبأسعار معقولة
صالح السليمي

صالح السليمي
تمثل قضية الطاقة واحدة من أعمدة التنمية المستدامة التي لا يمكن تصور تقدم الشعوب أو رفاه المجتمعات من دونها، فهي المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي، وشرط ضروري لتحسين مستوى المعيشة، ووسيلة حيوية لتقليص الفجوات التنموية بين الريف والحضر. غير أن جوهر التنمية المستدامة لا يقوم على مجرد توفير الطاقة، بل على ضمان أن تكون هذه الطاقة نظيفة، متجددة، وبأسعار معقولة تتيح للجميع الاستفادة منها دون استثناء. وفي حالة السودان، تبدو هذه القضية أكثر إلحاحًا نظرًا لتباين الموارد المتاحة وغياب التخطيط الطويل المدى.
لقد ظل السودان يعتمد تاريخيًا على مصادر طاقة تقليدية، أهمها الوقود الأحفوري والحطب والفحم النباتي. وقد أدى هذا الاعتماد إلى آثار بيئية خطيرة، مثل تدهور الغطاء النباتي والتصحر، فضلًا عن ارتفاع تكلفة استيراد الوقود وتأثيره المباشر على ميزان المدفوعات. في المقابل، يمتلك السودان إمكانات هائلة غير مستغلة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والكتلة الحيوية. فالسودان يتمتع بمعدل سطوع شمسي يفوق 300 يومًا في السنة، ما يجعله من أغنى الدول في هذا المورد، كما أن مناطقه الشمالية والشرقية غنية بالرياح القوية المنتظمة، إلى جانب وجود مخزون مائي يمكن أن يسهم في توليد الكهرباء الكهرومائية. هذه الموارد تجعل من السودان قادرًا، إذا أحسن استغلالها، على أن يكون رائدًا إقليميًا في مجال الطاقة النظيفة والمتجددة.
إن ضمان الوصول إلى طاقة مستدامة لا يقتصر على الجانب التقني فقط، بل يشمل أيضًا البعد الاجتماعي والاقتصادي. فتكلفة الطاقة تشكل عبئًا كبيرًا على الأسر الفقيرة، كما أن غياب الكهرباء عن مناطق واسعة من الريف يفاقم عزلة سكانها، ويحد من فرص التعليم والخدمات الصحية والتنمية الاقتصادية. ومن هنا تأتي ضرورة تبني سياسات وطنية شاملة تهدف إلى نشر مشاريع الطاقة المتجددة الصغيرة والمتوسطة في الريف، وتوفير الدعم الحكومي والتمويل الميسر لهذه المشاريع، بما يضمن العدالة في توزيع الطاقة ويحد من الفوارق بين المركز والأطراف.
التجارب العالمية تقدم نماذج ملهمة يمكن للسودان الاستفادة منها. فالهند مثلًا أطلقت برامج واسعة للطاقة الشمسية اللامركزية في القرى النائية، مما أسهم في تحسين التعليم والصحة وزيادة الإنتاجية الزراعية. كما أن المغرب استثمر بشكل ضخم في محطة نور للطاقة الشمسية، وأصبح نموذجًا إفريقيًا في التحول الطاقوي. هذه التجارب تؤكد أن الاستثمار في الطاقة المتجددة ليس ترفًا، بل هو استثمار في المستقبل، يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
غير أن تحقيق هذا الهدف في السودان يتطلب شرطًا جوهريًا: إيقاف الحرب. فالحروب لا تدمّر فقط البنية التحتية القائمة، بل تستهلك الموارد المالية التي كان يمكن أن تُوجَّه نحو بناء مشاريع طاقة استراتيجية. كما أنها تخلق بيئة من انعدام الثقة تمنع المستثمرين من ضخ أموالهم في هذا القطاع. لذلك فإن السلام المستدام هو الأرضية التي يمكن أن تقوم عليها أي خطة للطاقة النظيفة.
إن الرؤية القومية للطاقة المستدامة في السودان يجب أن تقوم على مبادئ أساسية: أولها الاستثمار في الموارد الطبيعية الغنية والمتجددة التي يمتلكها البلد، ثانيها ضمان عدالة التوزيع والوصول إلى الطاقة لكل المواطنين بغض النظر عن مناطقهم الجغرافية أو أوضاعهم الاجتماعية، وثالثها بناء شراكات ذكية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي، بما يعزز فرص التمويل ونقل التكنولوجيا.
بهذا المعنى، فإن قضية الطاقة ليست مسألة تقنية أو اقتصادية فحسب، بل هي قضية عدالة اجتماعية وضمان لحقوق الإنسان في التعليم والصحة والتنمية. وإذا ما استطاع السودان أن يضع خطة واضحة ومتكاملة لاستغلال موارده الهائلة في الطاقة الشمسية والرياح والمياه، فإنه لن يحقق فقط هدف التنمية المستدامة السابع، بل سيضع نفسه على عتبة نهضة حقيقية، ويحوّل الطاقة من مصدر للأزمات إلى رافعة أساسية لمستقبل أفضل.




