
سهيبه مريش
يشهد المشهد الدولي تحولات جيوسياسية معقدة تتشابك فيها المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى مع التوترات الإقليمية المتأججة، ويأتي الصراع المتصاعد الذي يتضمن إيران والولايات المتحدة وإسرائيل كأحد أبرز مظاهر هذا الاضطراب. إن لجوء طهران إلى استخدام القوة الصاروخية كأداة لفرض نفوذها وتغيير موازين القوى يضع المنطقة والعالم أمام تحديات أمنية غير مسبوقة. تتجلى خطورة هذه التوجهات الإيرانية في سياستها المتبناة لخلق بيئة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وهي سياسة تغذيها أيديولوجية تروج للعنف وتدعم ما يصنف دولياً بالإرهاب، الأمر الذي يضع إيران في مصاف الدول التي تهدد السلم والأمن العالميين.
لقد تطور الصراع الإيراني الإسرائيلي الأمريكي من مواجهات غير مباشرة إلى تبادل للضربات المحدودة، خاصة بعد استخدام إيران أو وكلائها لتقنيات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. هذه الضربات، التي غالباً ما تستهدف مصالح أمريكية أو إسرائيلية، هي جزء من استراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى إظهار القوة والردع، وإثبات القدرة على استهداف عمق الخصوم دون الدخول في حرب شاملة ومباشرة. إن القدرات الصاروخية الإيرانية، التي طورتها طهران بشكل كبير على مدى السنوات الماضية، تمثل حالياً عنصراً محورياً في عقيدتها العسكرية والأمنية، مما يجعلها لاعباً أساسياً في أي سيناريو مستقبلي للصراع الإقليمي.
إن التوصيفات التي تشير إلى الطبيعة الإرهابية للتوجهات الإيرانية تنبع من الأدلة الموثقة لدعمها المباشر وغير المباشر لجماعات مسلحة وأحزاب تتبنى العنف كسلاح سياسي في عدة دول عربية. تحت غطاء الأيديولوجيا الدينية، تمد إيران يدها بتمويل وتدريب وتسليح لهذه الجماعات، مما يؤدي إلى إطالة أمد الصراعات الداخلية وتعميق الانقسامات الطائفية والإثنية. هذا التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول المجاورة يهدف إلى خلق ما تسميه طهران محور المقاومة والذي عمل عملياً على زعزعة استقرار العديد من الدول التي عانت ولا تزال تعاني من ويلات الحروب الأهلية والاضطرابات السياسية.
النموذج السوداني يقدم مثالاً صارخاً على تأثير هذه السياسات الإقليمية المزعزعة للاستقرار. فالاتهامات الموجهة لإيران بتقديم دعم لجماعات أو قوى داخل السودان، خاصة تلك التي تتبنى خطاباً متشدداً أو تسعى لتقويض المؤسسات المدنية، تشير إلى استغلال إيراني للأزمات المحلية لخدمة أهدافها الاستراتيجية. إن دعم ما يوصف بالجيش المتأسلم الإرهابي في السودان، أو أي طرف يسعى لإطالة أمد الصراع وإلحاق الضرر بالسكان المدنيين، يكشف عن استهتار واضح بالمعاناة الإنسانية. هذا الدعم، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، يطيل أمد الحرب ويقوض بشكل خطير أي محاولة للتحول الديمقراطي السلمي الذي يطمح إليه الشعب السوداني. فعندما تتسرب الأجندات الخارجية إلى الصراعات الداخلية، يصبح الانتقال الديمقراطي مهمة شبه مستحيلة، حيث يتم تغذية النزاعات العسكرية بدلاً من السعي نحو الحلول السياسية والمصالحة الوطنية.
إن مجريات الأحداث في اللحظات القادمة تتوقف بشكل كبير على مدى فعالية الرد الدولي على هذه السياسات العدوانية. إذا استمرت إيران في استخدام أدواتها غير المتماثلة، وتحديداً شبكة وكلائها والصواريخ، لتحقيق مكاسب إقليمية، فمن المرجح أن تشهد المنطقة مزيداً من التصعيد. وفي المقابل، فإن أي رد فعل أمريكي أو إسرائيلي مباشر يتجاوز الردع الحالي قد يدفع بالصراع إلى حافة حرب إقليمية واسعة النطاق، وهو ما تسعى إليه إيران في بعض الأحيان لتحقيق مكاسب سياسية أو لتغطية فشل داخلي.
الرهان الكبير يكمن في قدرة المجتمع الدولي على فرض ضوابط صارمة على البرنامج الصاروخي الإيراني وعمليات دعم الميليشيات. إن التحدي الأكبر الذي يواجه العالم هو كيفية احتواء التهديدات الإيرانية النووية والإرهابية دون إشعال فتيل حرب مدمرة. إن الآمال معقودة على الدبلوماسية الفعالة والضغط الاقتصادي الموحد للحد من قدرة طهران على تمويل أجندتها التخريبية.
في الختام، يمثل المشهد الحالي صراعاً بين القوى التي تسعى للاستقرار الإقليمي والدولة التي تستثمر في الفوضى لتحقيق أهدافها. إن التهديدات الإيرانية الممثلة في الاستخدام المكثف للقوة الصاروخية ودعمها للإرهاب الإقليمي لا تهدد إسرائيل غغ بل تقوض بشكل مباشر آمال الشعوب في دول مثل السودان في تحقيق السلام والتنمية والديمقراطية. يبقى الأمل في أن يتمكن المجتمع الدولي من بلورة استراتيجية موحدة وفعالة لحل هذه الأزمة، مما يضع حداً لشرور هذا النظام ويسمح للمنطقة بالتنفس بعيداً عن شبح الصراع الدائم المدعوم من قوى تسعى لفرض هيمنتها بالقوة وتحديداً دعمها للقوى المسببة للدمار في دول مثل السودان، هو شرط أساسي لعودة الاستقرار والتقدم في الشرق الأوسط.




