
نجم الدين دريسة
من لا يبني قاعدته في وجدان الناس، سيظل معلقًا في هواء الشعارات
في لحظة سودانية مثقلة بالانكسارات، تتقدم القوى المدنية المتحدة بوصفها حالة سياسية مختلفة، لا تكتفي بإدانة الواقع أو توصيف أزماته، بل تنشغل بإعادة صياغة الفعل السياسي من جذوره. ليست مجرد كيان ضمن خارطة مزدحمة، بل مشروع يعيد تعريف معنى التنظيم، ويختبر إمكانية الانتقال من السياسة النخبوية إلى السياسة المجتمعية الراسخة.
لقد أثبتت التجربة السودانية، عبر عقود طويلة، أن معظم الكيانات السياسية انشغلت بالبني الفوقية: المكاتب العليا، التحالفات المركزية، البيانات المصقولة، والصراعات على المواقع. أما الجماهير، فقد ظلت في كثير من الأحيان مجرد حشد يُستدعى عند الحاجة، لا شريكًا أصيلاً في صناعة القرار. ومن هنا بدأ الخلل البنيوي الذي أنتج أحزابًا نخبوية، بعيدة عن الشارع، وضعيفة الصلة بالمجتمعات التي تزعم تمثيلها.
في هذا السياق، برزت القوى المدنية المتحدة بخطاب وممارسة يتجاوزان هذا الإرث. فهي لم تنطلق من سؤال: كيف نصل إلى السلطة؟ بل من سؤال أعمق: كيف نعيد بناء السياسة نفسها؟ لذلك اتجهت إلى تأسيس حضور حقيقي في المحليات والوحدات الإدارية، وتوسيع دوائر النقاش المجتمعي، وتطوير هياكل تنظيمية تنبع من القاعدة لا تُفرض من القمة. هذه ليست مجرد تقنية تنظيمية، بل رؤية كاملة تعيد الاعتبار للمجتمع بوصفه مصدر الشرعية الأول.
السودان الذي أرهقته المركزية القابضة، ودفعت أطرافه أثمانًا باهظة من التهميش والإقصاء، لم يعد يحتمل إعادة إنتاج ذات النمط السياسي القديم. لقد كشفت السنوات الأخيرة، بكل قسوتها، أن أزمة البلاد أعمق من صراع مسلح أو تنافس سلطوي؛ إنها أزمة دولة لم تُبنَ على عقد اجتماعي متوازن، ولم تُحسن إدارة تنوعها، ولم تمنح مواطنيها إحساسًا متساويًا بالانتماء والحقوق. وفي مواجهة هذا الواقع، يصبح البناء التنظيمي الواسع في القواعد ضرورة لا خيارًا.
ما يميز حراك القوى المدنية المتحدة هو كثافته واستمراريته. ليس نشاطًا موسميًا، ولا تحركًا ظرفيًا، بل عملية تراكمية تسعى إلى خلق وعي سياسي جديد، يقوم على المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، وعلى اللامركزية كآلية لإدارة التنوع، وعلى المشاركة الشعبية كضمانة للاستقرار. إنها مقاربة تدرك أن الدولة لا تُبنى بالقرارات الفوقية وحدها، بل بتوسيع قاعدة الفعل السياسي وتحريره من قبضة النخب الضيقة.
في مقابل هذا المسار، لا تزال بعض القوى التقليدية أسيرة خطاب يتحدث باسم الجماهير دون أن يصغي إليها. تتحدث عن الإصلاح، لكنها لا تصلح بنيتها الداخلية. ترفع شعارات العدالة، لكنها تعجز عن بناء آليات تمثيل حقيقية في الأطراف. وهكذا تتآكل مصداقيتها تدريجيًا، بينما تتقدم قوى أكثر التصاقًا بالناس وأكثر قدرة على تنظيم طاقاتهم.
إن الحراك الذي تقوده القوى المدنية المتحدة يعكس تحولًا نوعيًا في فهم السياسة: من كونها صراعًا على الغلبة إلى كونها إدارة للتنوع؛ ومن كونها امتيازًا للنخبة إلى كونها حقًا جماعيًا. وهذا التحول لا يتحقق عبر الخطب وحدها، بل عبر تأسيس شبكات تنظيمية في الأحياء والقرى، وعبر تدريب كوادر محلية، وعبر فتح مساحات للنقاش العام حول قضايا الدولة والهوية والاقتصاد والعدالة الاجتماعية.
الأهم من ذلك أن هذا المسار يضع الجماهير التي عانت من التهميش لعقود في قلب المعادلة. لم تعد مجرد متلقٍ للسياسات، بل شريكًا في صياغتها. لم تعد الهامش الذي يُدار من المركز، بل طرفًا فاعلًا في إعادة تشكيل المركز نفسه. وهذه معادلة، إن استقرت، ستعيد رسم خارطة السودان السياسية على أسس أكثر توازنًا وعدالة.
لا يمكن إنكار صعوبة الطريق. فثمة مقاومة من عقلية قديمة ترى في أي تمكين مجتمعي تهديدًا لمصالحها. وثمة خطاب كراهية يحاول إعادة إنتاج الانقسامات. غير أن البناء العميق في القواعد يخلق مناعة تدريجية ضد هذه المحاولات، لأنه يؤسس لوعي جماعي لا يسهل تضليله أو استقطابه.
إن القوى المدنية المتحدة، بحراكها التنظيمي الكثيف، تؤكد أنها لم تعد مجرد رقم في المعادلة السياسية، بل فاعلًا رئيسيًا استطاع أن يحجز موقعًا متميزًا في الخارطة السودانية الجديدة. موقع لا يستند إلى الضجيج الإعلامي، بل إلى العمل الميداني؛ ولا إلى التحالفات الهشة، بل إلى الثقة المتراكمة مع المجتمعات.
في النهاية، تبقى السياسة الحقيقية هي تلك التي تنبع من الناس وتعود إليهم. وكل مشروع يضع الجماهير في مركز اهتمامه، ويستثمر في وعيها وتنظيمها، هو مشروع قابل للحياة. أما المشاريع التي تكتفي بالبني الفوقية، فستظل معلقة، مهما علت أصواتها. والسودان اليوم، وهو يبحث عن مخرج من نفقه الطويل، يحتاج إلى قوى تعرف أن البناء يبدأ من القاعدة… وأن المستقبل يُصنع هناك، لا في القمم وحدها.




