حين يُطالَب المدنيون ببناء معارضة سلمية في قلب الحرب: قراءة في مقال د. الشفيع خضر
بروفيسور خالد كودي

بروفيسور خالد كودي، بوسطن
تمهيد: أهمية النقاش وحدود الافتراضات
نشر د. الشفيع خضر مقالًا مهمًا يدعو فيه القوى المدنية إلى إحياء النشاط السياسي من داخل السودان، انطلاقًا من فكرة أن السياسة الحقيقية لا تُمارس من المنفى بل بين الناس وعلى أرض الواقع. وهذه الفكرة في أصلها تحمل قدرًا من الوجاهة؛ فالتجربة التاريخية تؤكد أن الشرعية السياسية تُبنى في المجال الاجتماعي الحي، حيث يتفاعل الفاعلون السياسيون مباشرة مع المجتمع. غير أن الإشكال لا يكمن في هذا المبدأ، بل في الافتراض النظري الذي يقوم عليه. فالمقال يفترض وجود فضاء سياسي يمكن فيه للقوى المدنية أن تنظم نفسها وأن تمارس خطابًا سلميًا عقلانيًا في مواجهة عسكرة المجال العام. لكن هذا الافتراض يتجاهل قاعدة أساسية في علم السياسة: طبيعة النظام هي التي تحدد طبيعة العمل السياسي الممكن داخله وأشكال مقاومته.
ففي النظم التعددية، حتي حين تكون هشة—يمكن أن يتسع المجال للعمل الحزبي والتنظيم المدني والمعارضة السلمية. أما في الأنظمة التي تتحول فيها الدولة إلى جهاز تعبئة عسكرية شامل، حيث تُختزل السياسة في منطق الحرب وتُدار السلطة عبر التحالف بين القيادة العسكرية والأجهزة الأمنية والمليشيات والتعبئة الأيديولوجية، فإن المجال العام يُغلق بنيويًا، ويصبح العمل السياسي السلمي التقليدي شبه مستحيل. وهذا ما يميز الأنظمة ذات الطابع الفاشي عن مجرد الديكتاتوريات التقليدية؛ فالفاشية لا تكتفي بالقمع، بل تقوم على تعبئة المجتمع في حالة حرب دائمة وتذويب السياسة في خطاب وجودي يقوم على التخوين والإقصاء.
وقد اشارت الفيلسوفة حنة ارندت الي ان الأنظمة التي تجعل العنف أساس الحكم لا تدمر المعارضة فقط، بل تدمر الفضاء
السياسي نفسه، بحيث يفقد العمل السياسي التقليدي شروطه الموضوعية. كما بيّن قرامشي ان شكل الصراع السياسي
يتحدد بطبيعة الدولة؛ ففي الدول التي تتحول فيها السلطة إلى جهاز هيمنة قسرية مدعوم بتعبئة أيديولوجية مسلحة، تتغير طبيعة المقاومة نفسها.
ومن هذه الزاوية، فإن السودان اليوم لا يعيش وضع ديكتاتورية تقليدية يمكن أن تنشأ داخلها معارضة سلمية تدريجية، بل يعيش واقع حرب مفتوحة تُدار عبر منظومة عسكرية–ميليشياوية وتعبئة سياسية مباشرة. ففي مناطق سيطرة سلطة بورتسودان، لا يقتصر الأمر على عسكرة المجال العام، بل يشمل تعبئة أيديولوجية مرتبطة بالحركة الإسلامية، وتجييشًا اجتماعيًا، واستخدام خطاب التخوين والتكفير لتصفية الخصوم السياسيين. وفي مثل هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا لا تعود القوى المدنية إلى ممارسة السياسة بالطريقة التقليدية داخل البلاد؟ بل: هل تسمح طبيعة النظام الفاشي القائم أصلًا بوجود هذا النوع من السياسة؟
إن السودان الذي عرفته النخب السياسية طوال عقود—بما في ذلك أستاذنا د. الشفيع—لم يعد قائمًا. فقد تغيّرت بنية الصراع نفسها، وتحول مركز الفعل السياسي والعسكري، وتبدلت الجغرافيا السياسية للبلاد بفعل الحرب. ولذلك فإن الدعوة إلى استعادة نمط العمل السياسي القديم، كما لو أن المجال العام ما يزال مفتوحًا، تبدو أقرب إلى قراءةٍ تستند إلى حنينٍ سياسيٍّ لواقع تاريخي انتهى بالفعل، لا إلى تحليلٍ موضوعي يستوعب طبيعة اللحظة السودانية الراهنة، ولنناقش هذا.
أولًا: أين يمكن ممارسة السياسة داخل السودان اليوم؟
ينطلق مقال الدكتور خضر من فكرة أن العمل السياسي يجب أن يُمارس داخل البلاد، لكن هذا الطرح يتجاهل سؤالًا جوهريًا: داخل أي مناطق؟ وتحت أي سلطة؟
فالواقع الحالي ينقسم إلى فضاءين مختلفين جذريًا:
١/ المناطق الخاضعة لسيطرة سلطة بورتسودان والجيش:
هذه المناطق ليست فضاءً سياسيًا مدنيًا يمكن فيه بناء تنظيمات سلمية. إنها مناطق تخضع لحالة طوارئ فعلية، حيث:
– الاعتقالات السياسية واسعة النطاق، والاحكام الظالمة وربما التصفية.
– الاتهامات الجاهزة بـ”التعاون مع العدو” تُستخدم لإسكات المعارضين،
– المجال العام خاضع لخطاب تعبئة حربية ديني، اثني، جهوي–أيديولوجي مرتبط بالحركة الإسلامية .
في مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن تنظيم سياسي مدني علني حديثًا نظريًا لا يملك شروطه الواقعية.
٢/ المناطق التي تسيطر عليها قوى تحالف تأسيس:
هذه المناطق ليست فضاءً لعمل حزبي تقليدي، بل فضاء ثورة مسلحة وتحوّل تاريخي. ففيها تُعاد صياغة الأسئلة المؤسسة للدولة السودانية برمتها: العلمانية، اللامركزية، العدالة التاريخية، وإعادة بناء جيش وطني جديد.
هنا لا يجري صراع حول تحسين شروط الانتقال الديمقراطي، بل حول تفكيك بنية الدولة القديمة نفسها.
ثانيًا: المفارقة في طرح د. الشفيع خضر
المفارقة في طرح د. الشفيع أنه يدعو القوى المدنية إلى بناء معارضة سلمية في قلب حرب وجودية. فكأنما يُطلب من المدنيين، في خضم صراع مسلح مع قوى تسعى لإعادة إنتاج دولة الحركة الإسلامية، أن ينشغلوا ببناء خطاب سياسي معتدل،
هذا المنطق يذكّر بالمفارقة التاريخية التي واجهتها أوروبا في ثلاثينيات القرن العشرين:
هل كان ينبغي للقوى الديمقراطية في أوروبا أن تبني معارضة سلمية ضد الفاشية بينما كانت جيوش هتلر تتقدم في القارة؟
لقد أدرك مفكرو تلك اللحظة أن مواجهة الفاشية ليست مسألة خطاب سياسي، بل مسألة صراع تاريخي مسلح.
بعد الحرب ان مقاومة الفاشية لم تكن خيارا أخلاقيا فحسب بل ضرورة وجودية. Jean-Paul Sartre كتب الفيلسوف
“عندما يتحول النظام إلى آلة قمع شاملة، تصبح المقاومة واجبًا قبل أن تكون خيارًا”
وقال قرامشي في سياق تحليله لصعود الفاشية إن الأزمة التاريخية الكبرى هي اللحظة التي “يموت فيها القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد”. وفي تلك اللحظة لا يمكن إصلاح النظام ؛ بل لا بد من كتلة تاريخية جديدة تطيح بالبنية القديمة.
ثالثًا: المشكلة ليست في إدارة السياسة بل في طبيعة الدولة
يميل د. الشفيع خضر—كما تفعل قطاعات واسعة من النخب السياسية السودانية—إلى تفسير أزمة السودان بوصفها أزمة أداء سياسي: ضعف الأحزاب، تراجع التنظيم، غياب البرامج، أو قصور القيادات المدنية في إدارة الفترات الانتقالية. هذا التشخيص لا يخلو من قدر من الصحة، لكنه يظل تفسيرًا جزئيًا لأنه يتعامل مع أعراض الأزمة لا مع بنيتها العميقة.
فالسؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه ليس: لماذا ضعفت الأحزاب؟ بل: داخل أي دولة كانت هذه الأحزاب تعمل أصلًا؟
إن التجربة السياسية السودانية منذ الاستقلال تشير بوضوح إلى أن المشكلة لم تكن في ضعف الفاعلين السياسيين فحسب، بل في طبيعة الدولة نفسها. فقد نشأت الدولة السودانية الحديثة بوصفها امتدادًا لبنية الحكم الاستعماري، لا بوصفها دولة مواطنة تعاقدية. احتفظت الدولة بمركزية السلطة والثروة في الخرطوم، وباحتكار تعريف الهوية الوطنية ضمن إطار ضيق، وباعتماد المؤسسة العسكرية كأداة حاسمة لإدارة الصراع السياسي والاجتماعي. وبذلك تشكّلت دولة عنصرية ذات طابع إقصائي بنيوي، لا دولة تقوم على المساواة بين المواطنين.
ضمن هذه البنية لم تكن الأحزاب تعمل في فضاء سياسي متكافئ، بل داخل نظام سياسي مصمم أصلًا لإعادة إنتاج الهيمنة المركزية. ولهذا لم يكن فشل الانتفاضات السودانية—من أكتوبر 1964 إلى أبريل 1985 وصولًا إلى ديسمبر 2018—مجرد نتيجة لضعف الأحزاب أو سوء إدارة الانتقال، بل نتيجة مباشرة لترك البنية العميقة للدولة على حالها بعد كل انتفاضة.
كانت الانتفاضات تُسقط النظام السياسي، لكنها تُبقي الدولة نفسها.
وبذلك كانت الأزمة تُؤجَّل، لا تُحل.
إن قراءة الأزمة بوصفها أزمة إدارة سياسية تقود بالضرورة إلى وصفات إصلاحية محدودة: تطوير الأحزاب، تحسين الانتقال، توسيع المشاركة. أما قراءة الأزمة بوصفها أزمة بنية دولة فتقود إلى سؤال مختلف تمامًا: كيف يمكن إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة؟
وهنا يتضح الفرق بين مقاربتين سياسيتين:
مقاربة إصلاحية ترى أن المشكلة في إدارة الدولة،
ومقاربة تأسيسية ترى أن المشكلة في طبيعة الدولة نفسها.
والتاريخ السياسي للسودان يميل بوضوح إلى تأكيد المقاربة الثانية. لأن الدولة التي أنتجت الحرب والتهميش والانقلابات لعقود لا يمكن أن تتحول إلى دولة سلام ومواطنة بمجرد تحسين إدارتها؛ بل يتطلب ذلك إعادة تعريف بنيتها، وعقدها الاجتماعي، وتوزيع السلطة والثروة داخلها.
رابعًا: السودان القديم لم يعد موجودًا
الافتراض المركزي في مقال د. الشفيع هو إمكانية العودة إلى السياسة كما عرفتها النخب منذ الاستقلال:
– أحزاب مركزية،
– تحالفات مدنية واسعة،
– انتقال ديمقراطي تفاوضي
لكن الحرب الحالية حطمت هذا النموذج بالكامل. فمركز التغيير لم يعد في الخرطوم وحدها، ولم تعد النخب التقليدية قادرة على احتكار المجال السياسي.
لقد ظهر اليوم إطار سياسي–عسكري ثوري جديد يتمثل في تحالف تأسيس، وهو إطار يتجاوز مطالب الإصلاح الإداري للدولة القديمة، ويطرح مشروعًا تأسيسيًا مختلفًا جذريًا يقوم على:
– تفكيك الدولة المركزية القديمة،
– بناء دولة علمانية لامركزية،
– العدالة التاريخية لمناطق الهامش،
– وبناء جيش وطني ومهني جديد
وهذا التحول يعني ببساطة أن مركز التغيير نفسه قد تغيّر، وعلي القوي المدنية ان تستيقظ !
خامسًا: السياسة لا تُمارس بالطريقة نفسها في كل لحظة تاريخية
من الصحيح أن السياسة تحتاج إلى العمل بين الناس، لكن التاريخ يعلمنا أن أشكال العمل السياسي تختلف باختلاف اللحظة التاريخية.
في لحظات الاستقرار يمكن أن تزدهر الأحزاب والبرلمانات.
أما في لحظات الانهيار التاريخي—كما هو حال السودان اليوم—فإن السياسة تتحول إلى صراع حول طبيعة الدولة نفسها
ولهذا كتب المفكر الثوري فرانتس فانون بوضوح ونضج وواقعية:
“عندما يبلغ النظام حدَّ إنكار إنسانية الناس، فإن الثورة تصبح اللغة الوحيدة التي يفهمها”
خاتمة: بين زمنين تاريخيين ومسؤولية الاختيار
يعكس مقال د. الشفيع خضر رؤية سياسية تشكّلت في زمن كان فيه الصراع يدور أساسًا حول إسقاط ديكتاتورية عسكرية أو إصلاح مؤسسات الدولة السودانية وتنظيم انتقال سياسي تفاوضي. غير أن اللحظة التي يعيشها السودان اليوم مختلفة جذريًا؛ فالأزمة لم تعد أزمة حكم داخل الدولة، بل أزمة الدولة نفسها: بنيتها، وشرعيتها، وطبيعة العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه. لم يعد السؤال كيف تُدار الدولة، بل أيُّ دولة يمكن أن تقوم على أنقاض النظام الذي انهار تحت وطأة الحرب والتاريخ معًا.
لقد كشفت الحرب حدود النموذج الذي حكم السودان منذ الاستقلال: دولة مركزية ورثت أدوات الحكم الاستعماري، واحتكرت السلطة والثروة والهوية، ثم عجزت عن بناء عقد اجتماعي جامع. ومع انهيار هذا الإطار تبدلت جغرافيا الفعل السياسي والعسكري، وبرزت قوى جديدة لا ترى في إصلاح الدولة القديمة أفقًا للحل، بل في إعادة تأسيسها على أسس مختلفة.
وفي مثل هذه اللحظات التأسيسية لا يُحسم المستقبل بإصلاحات إجرائية محدودة، بل بصراع تاريخي يحدد طبيعة الدولة القادمة. وهنا تواجه القوى المدنية والنخب السودانية ثلاثة خيارات واضحة: إما محاولة ترميم الدولة القديمة عبر تسويات انتقالية محدودة تعيد إنتاج الأزمة، أو الانكفاء في خطاب أخلاقي يترك مسار التاريخ يتحدد خارج إرادتها، أو الانخراط في لحظة التأسيس عبر بناء كتلة تاريخية واسعة تطرح مشروعًا واضحًا لدولة المواطنة المتساوية واللامركزية والعدالة التاريخية.
لذلك لم يعد السؤال: كيف نعيد السياسة كما كانت؟
بل السؤال الأعمق: أيُّ سودان سيولد بعد موت السودان القديم؟
إن الإجابة لن تأتي من الحنين إلى صيغ سياسية مضت، بل من قدرة القوى المدنية والنخب السودانية على قراءة التحول التاريخي بوضوح، وعلى اختيار أن تكون جزءًا من ميلاد السودان الجديد، لا حارسًا متأخرًا لأطلال الدولة القديمة.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)




