
محمد أحمد قرقر
أضحى المشهد السوداني في السنوات الأخيرة مشحوناً بقدرٍ غير مسبوق من العنف اللفظي، حتى صار السباب والبذاءة لغة يتداولها بعض الناشطين المنادين باستمرار الحرب والمدافعين عن جماعة بورتسودان، رجالاً ونساءً، دون تورع أو حياء. والمثير للدهشة أن هذا السلوك لا يعبّر فقط عن انحدار لغوي، بل يعكس تراجعاً أخلاقياً وفكرياً خطيراً، إذ يتسابق هؤلاء في إطلاق الألفاظ الجارحة، وكأنهم في مسابقة لاختيار أكثر التعبيرات انحطاطاً وابتذالاً.
السؤال الذي يفرض نفسه: إلى أي منظومة قيم ينتمي هذا السلوك؟ أهو من روح الدين الإسلامي الذي دعا إلى مكارم الأخلاق، وبيّن أن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً؟ أين هم من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق”؟ بل أين هم من الفطرة الإنسانية التي ترفض الإهانة وتحقير الآخر مهما كانت الخلافات والظروف؟
إن احتقار الإنسان لأخيه الإنسان لا يمكن أن يبرره هدف سياسي ولا رؤية فكرية ولا حتى قضية يظن أصحابها أنها مقدسة. فالإنسان مكرّم عند الله، والدين الإسلامي قام على قيم الرحمة والعدل وحسن المعاملة، لا على الشتائم وتدمير الوجدان العام.
وليس خافياً على أحد أن ما نعيشه اليوم هو جزء من النتائج المؤلمة لتآكل البنية الأخلاقية التي كان المجتمع السوداني يُضرب بها المثل—مجتمع قائم على احترام كبير السن، وعلى الحياء، وعلى ضبط اللسان، وعلى قيم النخوة والسمت الحسن. كل ذلك تراجع تحت ضغط الحرب، والتحريض، والاستقطاب، ووسائل التواصل التي منحت المنفلتين ساحة مفتوحة بلا ضوابط.
لكن الأيام كفيلة بأن تكشف حجم الخسران الذي يتورط فيه هؤلاء، وسيأتي حينٌ يجدون فيه أنفسهم أمام مرآة الندم وقد انفضّ الناس من حولهم، لأن الأخلاق هي التي تبقى، وما سواها يذهب هباءً.
إننا بحاجة اليوم إلى استعادة صوت الحكمة وإحياء ثقافة الاحترام، فالسودان لا يُبنى بالألسنة الجارحة، بل بالعقول الرصينة والقلوب الرحيمة.
هدانا الله وإياكم.. أيها الغافلون.




