
إيمان التجاني
في السياسة السودانية، كثيراً ما تبدو المفارقات أكبر من أن تُفسَّر بسهولة. لكن ما يحدث اليوم يقدّم مثالاً صارخاً على الطريقة التي تفكر بها جماعات الإسلام السياسي في إدارة الصراع وتوظيف التناقضات من أجل هدف واحد: العودة إلى السلطة مهما كان الثمن.
ولعل السؤال الأكثر حضوراً اليوم هو: ما الذي جمع بين مني أركو مناوي وموسى هلال؟
فالرجلان يمثلان مسارين مختلفين في تاريخ الصراع بدارفور، بل إنهما كانا في لحظات سابقة على طرفي نقيض في المواقف والتحالفات. ومع ذلك، نجد اليوم اصطفافاً سياسياً وعسكرياً يجمع بينهما تحت مظلة واحدة، في مشهد يثير كثيراً من الأسئلة حول طبيعة التحالفات التي تُصنع في ظل الحرب.
هذا المشهد لا يمكن فهمه بمعزل عن الطريقة التي تدير بها جماعات الإسلام السياسي معاركها السياسية. فهذه الجماعات لطالما اعتمدت على توظيف المتناقضات، وجمع الخصوم السابقين في تحالفات مؤقتة، طالما أن الهدف النهائي هو استعادة النفوذ داخل الدولة.
إنها سياسة تقوم على مبدأ بسيط: لا مشكلة في التناقضات، طالما أنها تخدم الغاية الكبرى. ولهذا يمكن أن يجتمع المختلفون، وأن تتحول الخصومات القديمة إلى تحالفات عابرة، وأن يُعاد ترتيب المشهد السياسي بطريقة تبدو أحياناً أقرب إلى المفارقة.
لكن ما يلفت الانتباه في هذا الاصطفاف هو أنه لا يبدو موجهاً لخدمة أجندة وطنية واضحة، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة إنتاج منظومة السلطة القديمة التي حكمت السودان لسنوات طويلة. فحين تتقاطع المصالح بين قوى متعددة، يصبح الهدف المشترك هو استعادة مواقع النفوذ، لا بالضرورة معالجة جذور الأزمة السودانية.
ومن هنا يرى كثير من المتابعين أن هذا الاصطفاف كشف بوضوح طبيعة المعركة الجارية في السودان اليوم. فهي ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع حول مستقبل الدولة نفسها: هل ستعود البلاد إلى منظومة الحكم القديمة، أم ستتجه نحو واقع سياسي مختلف؟
وفي هذا السياق، يعتبر مؤيدو قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان أن المواجهة الحالية تمثل معركة تحرر سياسي واجتماعي، تهدف بحسب رؤيتهم إلى إنهاء منظومة التهميش التاريخي التي عانت منها مناطق واسعة في السودان.
ويرى هؤلاء أن الحرب كشفت بوضوح خطوط الصراع الحقيقية، وأنها وضعت القوى المختلفة أمام اختبار تاريخي: إما الانحياز لمشروع تغيير جذري يعيد صياغة الدولة على أسس جديدة، أو الاصطفاف مع قوى الماضي التي تسعى لاستعادة نفوذها بأي ثمن.
وبين هذه المعسكرات المتقابلة، تتشكل ملامح مرحلة جديدة في تاريخ السودان، مرحلة قد تعيد تعريف التحالفات السياسية، وتحدد الاتجاه الذي ستسير فيه البلاد بعد أن تنتهي هذه الحرب، عاجلاً أو آجلاً.




