
علي جاد الله
يشهد القرن الإفريقي إعادة تشكيل دراماتيكية لخرائط التحالفات؛ حيث لم يعد المشهد في إثيوبيا يقتصر على صراع “المركز والهامش”، بل تحول إلى لعبة شطرنج جيوسياسية معقدة. وفي أتون هذا التحول، يبرز التقارب المتنامي بين تيار “الإصلاحيين” في تغراي، بقيادة جيتاشيو رضا والجنرال تسادكان غبريتنساي، وبين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.
هذا التحالف، الذي وُلد من رحم اتفاق “بريتوريا” وتعمق بفعل العداء المشترك لـ “الحرس القديم” في جبهة تحرير شعب تغراي (TPLF) بقيادة دبرتسيون غبريميكائيل، يحمل في طياته نذر مواجهة إقليمية قد تفرض واقعاً جديداً، يكمن جوهرها في السعي للسيطرة على ميناء “عصب” الإريتري ليكون منفذاً بحرياً استراتيجياً لإثيوبيا.
أولاً: براغماتية إصلاحيي تغراي وطموح آبي أحمد
بالنسبة لجيتاشيو وتسادكان، اللذين يمثلان التيار الإصلاحي البراغماتي في تغراي، يمثل التحالف مع أديس أبابا “طوق نجاة” سياسياً وعسكرياً. فبعد محاولات “الحرس القديم” (جناح دبرتسيون) استعادة السيطرة وتهميش الإدارة المؤقتة في مقلي، وجد التيار البراغماتي في آبي أحمد الشريك القادر على توفير الشرعية والموارد اللازمة لترسيخ نفوذهم.
لكن هذا التقارب ليس مجانياً؛ فآبي أحمد يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة في أقاليم “الأمهرة” و”أوروميا”، ويحتاج للوفاء بوعوده التاريخية في الوصول إلى البحر. لذا، فهو يبحث عن “ظهير شمالي” جديد يكسر عزلة حكومته ويؤمن حدودها. ومن هنا تلتقي المصالح: تفكيك نفوذ الحرس القديم في تغراي، مقابل دمج مقاتلي الإقليم الموالين لتسادكان في عقيدة عسكرية إثيوبية جديدة.
ثانياً: “عصب” المحرك الخفي للصراع
يمثل ميناء “عصب” النقطة التي تلتحم عندها طموحات آبي أحمد في كسر “الحصار الجغرافي” لإثيوبيا. ومع تعثر مذكرات التفاهم مع “أرض الصومال” وتوتر العلاقات مع جيبوتي، تبرز إريتريا كهدف استراتيجي.
يدرك آبي أحمد أن أي عمل عسكري تجاه إريتريا يتطلب قوة مشاة خبيرة بجغرافيا المنطقة، وهي ميزة يمتلكها مقاتلو تغراي (TDF) الموالون للجنرال تسادكان. كما يمنح وجود جيتاشيو رضا كواجهة سياسية “شرعية” أي تحرك عسكري صبغة “تأمين الحدود” أو “استرداد الحقوق التاريخية” بدلاً من وصفه بغزو خارجي، خاصة مع محاولات استقطاب المكونات “العفرية” في إريتريا التي تسعى لربط إقليمها جغرافياً بإثيوبيا.
ثالثاً: جبهة أسمرة وتحالفات الضد
في المقابل، لم تقف أسمرة مكتوفة الأيدي؛ فالرئيس إسياس أفورقي يراقب هذا التحالف بريبة شديدة، مما دفعه لنسج تحالفات مضادة، وهو ما يفسر التقارب التكتيكي المدهش بينه وبين خصمه السابق (دبرتسيون غبريميكائيل). تضع هذه التحالفات المنطقة أمام محورين متصادمين:
محور (أديس أبابا – جيتاشيو – تسادكان): يهدف لفرض سيطرة فيدرالية كاملة على الشمال، والتحضير لانتزاع “عصب” كضرورة للأمن القومي.
محور (أسمرة – حرس التغراي القديم): يهدف لعرقلة طموحات آبي أحمد وإبقاء إقليم تغراي في حالة انقسام تمنع استخدامه كمنصة انطلاق عسكرية.
مآلات الصراع
تشير المؤشرات السياسية إلى أن الصدام العسكري قد لا يكون بعيداً؛ فبينما تستخدم الحكومة الفيدرالية “سلاح الميزانية” لخنق جناح دبرتسيون في مقلي، يقوم تسادكان بإعادة تنظيم قواته بروح قتالية توجه بوصلتها نحو الشمال (عصب) لا نحو أديس أبابا.
إن تحالف جيتاشيو وتسادكان مع آبي أحمد تجاوز مرحلة “تثبيت السلام” ليدخل مرحلة “إعادة صياغة موازين القوى”. فإذا نجح هذا التحالف في تحييد جبهة TPLF داخلياً، فإن الوجهة القادمة ستكون بلا شك البحر الأحمر، في خطوة قد تعزل جيبوتي اقتصادياً، وتقلص مساحة إريتريا، وربما تطيح بنظام أفورقي الذي صمد لأكثر من ثلاثة عقود.




