رأي

إعادة تأسيس الجيش السوداني ضرورة ملحة 

عابدة مختار

 

 عابدة مختار

لم تكن الأزمة التي تعيشها المؤسسة العسكرية في السودان اليوم مجرد نتيجة مباشرة للحرب الدائرة، بل هي امتداد لمسار تاريخي طويل تشكلت خلاله بنية الجيش في سياق سياسي واجتماعي لم يعكس التنوع الحقيقي للمجتمع السوداني. فقد نشأت هذه المؤسسة في ظروف منحت الأفضلية لفئات محددة، الأمر الذي ساهم في تكوين منظومة مغلقة ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن التمثيل المتوازن لمختلف مكونات البلاد.

هذا التكوين غير المتوازن ترك أثراً عميقاً على طبيعة القيادة داخل المؤسسة العسكرية، وعلى آليات القبول والتدرج في هياكلها المختلفة. فقد ارتبطت فرص الانخراط في بعض الأحيان بمعايير غير متكافئة، الأمر الذي عزز شعور قطاعات واسعة من السودانيين بأن هذه المؤسسة التي يفترض أن تمثل الدولة بأكملها لا تعكس بالقدر الكافي تنوعها الاجتماعي والثقافي والجغرافي.

ومع مرور الزمن، لم يقتصر تأثير هذا الخلل على الجانب العسكري فحسب، بل امتد ليشمل جوانب أخرى من بنية الدولة. فقد تداخلت المؤسسة العسكرية مع مجالات اقتصادية ومؤسسات مالية وشركات متعددة، مما جعلها لاعباً مؤثراً في توازنات السلطة والنفوذ داخل البلاد، وأدى في المقابل إلى إضعاف دور المؤسسات المدنية وخلق اختلالات عميقة في بنية الحكم.

هذه المعادلة المعقدة أسهمت في تراكم مشاعر الإقصاء والغبن لدى قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة في الأقاليم التي رأت أن حضورها داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، لا يتناسب مع ثقلها الحقيقي في المجتمع السوداني. ومع مرور الوقت تحولت هذه المشاعر إلى مطالب سياسية واجتماعية تدعو إلى إعادة النظر في طبيعة الدولة نفسها، وفي كيفية توزيع السلطة والفرص داخلها.

لقد جاءت ثورة ديسمبر كتعبير واضح عن هذا التراكم الطويل من الإحباطات، حيث خرج السودانيون مطالبين بدولة تقوم على أسس جديدة من العدالة والمواطنة والمساواة. غير أن التجربة التي تلت الثورة كشفت أن التغيير السياسي وحده لا يكفي ما لم يصاحبه إصلاح عميق لبنية المؤسسات التي ظلت تشكل عمود الدولة لعقود طويلة.

إن بناء دولة مستقرة وعادلة في السودان يقتضي التفكير بجدية في إعادة تأسيس المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية تعكس التنوع الحقيقي للمجتمع. فالمؤسسة العسكرية في أي دولة حديثة يجب أن تكون إطاراً جامعاً لكل أبناء الوطن، لا مجالاً لإعادة إنتاج الامتيازات أو النفوذ الاجتماعي والسياسي.

الجيش القومي الحقيقي هو الذي يقوم على الكفاءة والانضباط والمؤسسية، ويكون ولاؤه للدستور والقانون لا لأي انتماء ضيق أو مصلحة فئوية. كما أن وجود مؤسسة عسكرية مهنية ومتوازنة يمثل أحد أهم الضمانات لاستقرار الدولة وحماية وحدتها.

إن السودان اليوم يقف أمام لحظة تاريخية فارقة، لحظة تفرض على الجميع التفكير في مستقبل الدولة ومؤسساتها. وإعادة تأسيس الجيش السوداني على قاعدة وطنية عادلة ليست مجرد مطلب سياسي، بل ضرورة تاريخية لضمان بناء دولة حديثة يسودها السلام والعدالة والمواطنة المتساوية.

فالدول لا تُبنى فقط بتغيير الحكومات، بل بإعادة صياغة مؤسساتها الكبرى على أسس عادلة تضمن مشاركة الجميع في حماية الوطن وصناعة مستقبله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!