
فاطمة لقاوة
لم يفشل السودان لأنه بلد فقير أو لأنه متعدد الأعراق والثقافات، بل فشل لأن السياسة فيه أُقصيت عمداً، وحلت مكانها البنادق و الحِمم العنقودية و المتفجرات التي ما زالت تسقط في رؤوس الغلابة من الشعب السوداني في كردفان ودارفور .
منذ الإستقلال ظل الحكم الحقيقي في السودان يُدار من فوهة السلاح، بينما بقيت المؤسسات السياسية مجرد واجهة هشة تتكسر مع أول عاصفة إنقلاب عسكري بتواطئ من أصحاب الإمتيازات التاريخية المركزية.
النخب التي ورثت الدولة بعد الإستقلال لم تنجح في بناء مشروع وطني جامع، بل تعاملت مع السلطة بإعتبارها غنيمة يتنازعها المركز،بينما إنشغلت الأحزاب التقليدية بصراعاتها الضيقة، إما أطراف السودان ظلت تغرق في التهميش الممنهج والفقر و الجهل، و أصبحت تتعلم بالتدريج أن الطريق الوحيد لسماع صوتها يمر عبر حمل السلاح.
بعد أول إنقلاب عسكري، دخل السودان في حلقة لُعبة القِط و الفأر المفرغة: إنقلاب يعقبه نظام سلطوي، ثم إنتفاضة شعبية تعيد المدنيين إلى الحكم لفترة قصيرة، قبل أن يعود الجيش مرة أخرى إلى السلطة.
هكذا تحولت الدولة إلى كيان غير مستقر يعيش بين الإنقلاب والإنتفاضة دون أن ينجح في ترسيخ نظام سياسي دائم.
في عهد “عُمر البشير” بلغ هذا التشوه مداه الأقصى،فقد جرى تفكيك الحياة السياسية وتحويل الدولة إلى شبكة معقدة من الأجهزة الأمنية والولاءات العسكرية،في الوقت ذاته توسعت الحروب في الأطراف، وإزداد شعور الأقاليم بأن الدولة لا تمثلها بل تحكمها بالقوة.
عندما اندلعت ثورة ديسمبر 2018 بدا وكأن السودانيين أخيراً كسروا حلقة التدجين المركزي،وخرج ملايين الناس إلى الشوارع مطالبين بدولة مدنية وبحياة سياسية حقيقية،إلاِّ أن ما حدث بعد ذلك كشف أن إسقاط رأس النظام لا يعني إسقاط بنيته،فقد بقيت مراكز القوة العسكرية للمؤتمر الوطني قائمة، بينما ظلت القوى المدنية منقسمة وضعيفة، و إرتفع صوت العداء الموجه ضد قوات الدعم السريع و قيادتها، حُماة الثورة،
بدلاً من أن تتحول الثورة إلى مشروع لإعادة بناء الدولة، تحولت المرحلة الإنتقالية إلى ساحة صراع بين القوى السياسية والعسكرية،مع غياب الثقة وتضارب المصالح،و عدم صِدق القوى السياسية السودانية وضبابية مواقفها أصبح الإنفجار مسألة وقت فقط. عندما إندلعت حرب ١٥ أبريل/٢٠٢٣م، لم تكن مفاجأة بقدر ما كانت النتيجة المنطقية لمسار طويل من إختطاف السياسة،و إزدواجية المعايير و خطاب الكراهية المفرط والتمييز.
اليوم يقف السودان أمام لحظة تاريخية قاسية: دولة تتفكك، ومجتمع أنهكته الحروب، ونخب سياسية لم تنجح بعد في الإتفاق على الحد الأدنى من قواعد الحكم.
الخطر الأكبر أن إستمرار الحرب قد يعيد تشكيل البلاد على أسس القوة المسلحة التي تحقق انتصاراً كاسحاً لا على أساس الدولة الوطنية.
الحقيقة التي لا يريد كثيرون الإعتراف بها هي أن أزمة السودان ليست فقط أزمة عسكرية، بل أزمة نخبة سياسية فشلت في إدارة الدولة،فعندما تعجز السياسة عن إدارة الخلافات، تتكفل البنادق بالمهمة.
إستعادة السودان لن تبدأ بوقف الحرب فقط، بل بإعادة السياسة نفسها إلى مكانها الطبيعي،سياسة تقوم على عقد وطني جديد يضع حداً لإحتكار القوة ويعيد توزيع السلطة والثروة بين المركز والأقاليم،وقوانين تكف جماح التمييز المفرط المقرون بالسُلطة.
بدون ذلك سيظل السودان يدور في الحلقة نفسها،حيث تسقط الأنظمة وتتغير الوجوه، لكن البنادق تبقى هي الحاكم الحقيقي للوطن.
ولنا عودة بإذن الله.
الإثنين،٩مارس/٢٠٢٦م




