
محمد تاج الدين الحلو
عندما حمل الناس السلاح، لم يكن ذلك مجرد رد فعل عابر، ولا مجرد ثورة للظلم العارض. كان هذا الفعل هو التعبير الأقوى عن واقع مرير لطالما اختُزل في صمتٍ مرعب، ومظالمٍ تاريخية لا يمكن تجاهلها. إن حمل السلاح لم يكن مجرد فعل ردة فعل، بل هو خروج عن صمت فرضه نظام ظل ينهش في لحم البلاد لأكثر من عقد، بينما يعاني ملايين الناس على أطراف البلاد من تهميش ممنهج وفساد قاتل.
كردفان: ثروات بلا ماء، وسوق بلا حياة
لنأخذ كردفان كمثال حي على هذا العار. هناك، حيث يقبع أكبر سوق للصمغ العربي، وحيث تُنتج الثروات من البترول، لا يزال الناس يعانون من الجفاف والعطش! ماذا يمكن أن نقول عن هذه المفارقة العجيبة؟ كيف يمكن أن تُنتج الأرض كل هذه الثروات، بينما يبقى أهلها عطشى، تائهين في صراع يومي من أجل الحصول على ماء شروب؟ هذه ليست مجرد قضية اقتصادية أو سياسية، إنها فضيحة تاريخية تُكتب بحروف من دماء أهل الأرض التي تحمل بين ثناياها أطيب الثروات. لكن أين هو الحق؟ وأين هي العوائد التي يُفترض أن تُنعش حياتهم؟
أما في دارفور حيث يمتد شريط الإنتاج الذي يحتوي على ثروات حيوانية وزراعية ضخمة مثل الفول السوداني والكركدي، والسمسم والصمغ وصولًا إلى بترول يتدفق في جوف الأرض، والتعدين تجد أن البنية التحتية شبه معدومة، والخدمات الصحية والتعليمية تكاد تكون غائبة. تلك الأرض التي تكدح وتنتج، تُحرم من عوائد ثرواتها، بينما تتكدس الأموال في جيوب أقلية لا تعرف شيئًا عن معاناة الشعب. أبناؤها لا يمتلكون حتى رخص تصدير منتجاتهم. كيف يمكن لهذا الواقع البائس أن يستمر؟ كيف يكون هؤلاء المزارعون والرعاة هم من يحملون ثروات الوطن بينما يُحرمون من أبسط حقوقهم؟ ماء ليريح عطشهم، طريق ليصلوا إلى الأسواق، مستشفى ينقذ حياتهم، وكل هذا غير موجود.
المعاناة نفسها تتكرر في جميع أرجاء دارفور وكردفان والمناطق المهمشة الأخرى. شعبٌ في قلب الوطن، يعيش في فقر وحرمان، بينما ثروات البلاد تُنهب ويذهب ريعها إلى جيوب فئة صغيرة لا تعترف إلا بمصالحها الشخصية. هنا، تصبح الدولة وكأنها ملكية خاصة، تُدار وفقًا لمصلحة أولئك القابضين على مفاتيح الاقتصاد والمؤسسات. تُدار البلاد بعقلية صلة القرابة، حيث يتحكم أصحاب السلطة في كل شيء، ويمارسون الاستفراد بالموارد كما لو أنها إرث شخصي لهم. بينما يعيش بقية الشعب في هذا الوطن كغرباء، محرومين من حقهم في الحياة الكريمة.
هذا هو السبب الحقيقي الذي دفع الهامش إلى الانفجار. الثورة لم تكن مجرد شعارات أو حركات عاطفية، بل كانت رد فعل طبيعي على فساد لا يتوقف، وتهميش لا يعد ولا يحصى. عندما يُستمر في نهب ثروات البلاد وتجاهل حقوق الشعب، يصبح من المستحيل أن يبقى الناس صامتين. كانت الثورة هي الوسيلة الوحيدة لانتزاع الحق من بين أيدي الذين اختطفوا مصير الأمة
المخاوف الحقيقية الآن تكمن في أن تُدار هذه الثروات الهائلة بنفس العقلية التي أورثت السودان الهلاك. فالذين يعتقدون أن الثورة كانت مجرد فرصة للوصول إلى السلطة، وأن الثروات الجديدة ستكون مجرد غنائم تُوزع على قوى جديدة، هم من يهددون مستقبل البلاد. هؤلاء أصحاب المصالح الضيقة، الذين لا يرون في هذه الثورة إلا فرصًا لتحقيق مكاسبهم الخاصة، ما زالوا يشكلون خطرًا حقيقيًا على عملية التغيير. إنهم ببساطة يحاولون إعادة تدوير النظام الفاسد تحت غطاء جديد، ولا يمكنهم أن يلبسوا ثوب الثورة
إن الثورة الحقيقية لا تعني مجرد وصول مجموعة جديدة إلى الحكم، بل هي في الأساس فرصة تاريخية لتحطيم تلك العقلية القديمة التي ظلّت تدير البلاد كأملاك خاصة. هذه الثروات، التي غُصِبَت من أصحابها، يجب أن تُدار بحكمة وعدالة، لأن أي فشل في ذلك سيكون جريمة أخرى تُضاف إلى سجلات الظلم التاريخي. يجب أن تُخصص عوائد هذه الثروات لتحسين حياة الناس، وإنشاء بنية تحتية حقيقية، ودعم المجتمع في تلك المناطق المهمشة التي طالما تحملت عبء الوطن دون أن تُكافأ بما تستحق.
على قيادتنا التي تولت زمام الأمور في هذه اللحظة التاريخية أن تكون أكثر حذرًا، وأن ترفض هذه العقلية الضيقة. إن الثورة لم تكن مجرد فوضى أو صراعًا سياسيًا، بل كانت دعوة لتغيير جذري في طريقة تفكيرنا وطريقة إدارة ثرواتنا. علينا أن نضع مصلحة الوطن أولًا، وأن نؤمن أن الثورة هي الفرصة الوحيدة لإنقاذ السودان من مصير مظلم.
إذا كان هناك درس يمكن أن نتعلمه من هذه الثورة، فهو أن السودان لا يتحمل المزيد من الظلم أو الفساد. لقد حانت اللحظة التي يجب أن يتحمل فيها الجميع مسؤولياتهم. الثورة لم تكن لحظة عابرة، بل هي بداية لمسار طويل نحو التغيير. ومن لا يملك الشجاعة لتغيير العقلية الفاسدة التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع، فهو لا يحق له أن يقود أو أن يكون جزءًا من هذا التغيير.
السودان لن يُبنى مجددًا على أسس من الظلم والفساد. لا مكان لمن يراهنون على استغلال الثورة لتحقيق مصالح شخصية. فالثورة هي وعد بالعدالة، والعدالة هي الأمل الوحيد لهذا الوطن.
محمد تاج الدين الحلو
الاثنين 9/ مارس 2026




