رأي

حين تُعاد صياغة الخراب: خطاب يختطف الحقيقة ويعيد تشكيل الوعي

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

لم تعد الحرب التي تمزق السودان اليوم مجرد حدثٍ سياسي أو عسكري، بل تحوّلت إلى مسرحٍ واسع لإعادة إنتاج خطابٍ يحاول صُنّاعه الاحتماء بالأخلاق وهم ينسفون جوهرها. فثمة محاولة مستمرة لإعادة تشكيل وعي الناس، ليس عبر سرد الحقائق، بل عبر صناعة أوهام تُقدَّم لهم على أنها فضائل. ولأن هذا الخطاب وُلد من رحم الأزمة، فقد اتخذ من الحرب منبرًا يُعلن منه دعاة التمكين رؤيتهم الجديدة التي تقوم على منح المواجهة معنى “الكرامة”، وكأن الدم يصبح رمزًا، والدمار يتحول إلى فضيلة، والفقد يُستدعى بوصفه تضحية لا محيد عنها.

هذا التلاعب القيمي لا يأتي صدفة، بل هو جزء من عملية طويلة تسعى فيها الحركة الإسلامية إلى تخليص نفسها من ميراث الممارسات التي قادت إلى هذا الانهيار. فبدل الاعتراف بالجريمة، تُدفع الجماهير إلى تبني تفسيرٍ جديد يجعل من الحرب قضية هوية، ومن الخصومة العسكرية صراعًا بين وطنيين وغزاة. إنها محاولة لتجريد الضحايا من صوتهم عبر إغراق الوعي بشعاراتٍ تعيد تعريف الأشياء بطريقة تخدم السلطة لا الحقيقة.

وفي قلب هذا المشهد تتسلل مفردة “الكرامة”، التي تُرفع اليوم وكأنها مفتاح الخلاص. لكن هذه الكلمة الجميلة حين تُقتلع من معناها الإنساني وتُعاد زراعتها في تربة خطاب يقوم على نفي الآخر وتحطيم إرادته، فإنها تفقد مضمونها، بل تتحول إلى نقيضها تمامًا. فالكرامة لا تتجسد في قتالٍ يفتك بالمدن، ولا في تبرير معاناة الأبرياء، ولا في تحويل الشقاء إلى وسام. الكرامة الحقيقية تُبنى بالحياة، لا بإدامة الموت.

المفارقة الأكبر أن العقل الذي يصوغ هذا الخطاب ليس عقلًا يُخطئ في التقدير أو الحساب، بل عقل يتعمد صناعة الوهم. عقلٌ يقوم عمله على التلاعب بالمفاهيم، وعلى تقديم الكذب في هيئة قضية، وعلى تحويل الفشل إلى بطولة. إنه ما يمكن تسميته بالعقل المُضلِّل، الذي لا يبحث عن فهم الواقع، بل عن إعادة تشكيله بما يناسب غاياته. فحين يُعاد تعريف الاستبداد كقوة، والفساد كاستحقاق، والولاء كإيمان، تصبح اللغة نفسها أداة تهديمية تُفرَّغ فيها القيم من معانيها.

والمؤسف أن هذا العقل لا يعمل بمعزل عن المجتمع، بل يتغذى على اليأس وغياب البدائل، وعلى حالة الانهاك التي خلفتها الحرب. فحين تتكرر المآسي، تصبح الكلمات الثقيلة أقل وقعًا، ثم تتسلل الشعارات الخادعة بسهولة أكبر، حتى يكاد بعض الناس يصدقون أن ما يحدث قدر لا مهرب منه. وهنا تكمن خطورة الخطاب: أنه يحوّل المأساة إلى شيء مألوف، ويُطبع مع الألم، ويخلق انطباعًا بأن الخراب هو الوضع الطبيعي.

لكن الحقيقة، مهما زُيّفت، تظل تفرض نفسها. فالناس الذين يفقدون بيوتهم، وأطفالهم، وأمانهم، لا يعنيهم كثيرًا ما تقوله المنصات الدعائية. ووعي الشعوب، مهما جرى الضغط عليه، يملك قدرة على استعادة ذاته حين تتضح الفجوة بين الخطاب والواقع. وما يجري اليوم هو لحظة تتكشف فيها هذه الفجوة بوضوح: بين من يتحدث عن كرامة، ومن يعيش بلا دواء ولا مأوى؛ بين من يدعو إلى الصمود، ومن يدفن أحبّاءه تحت الأنقاض.

إن مواجهة هذا النوع من الخطاب لا تحتاج فقط إلى تفكيكه، بل إلى إحياء القيم التي يسعى إلى طمسها. إلى إعادة تعريف الكرامة كما هي: احترام حياة الناس، وصون حقوقهم، وحماية حرياتهم، والاعتراف بإنسانيتهم قبل أي شيء آخر. فالوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالأفعال. ولا ينهض بالعقل الفاسد، بل بالعقل الحر الذي يرى الحقيقة كما هي ويبحث عن طريقٍ آخر لا تقوده البنادق، بل تقوده الإرادة الصادقة للحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!