
مؤيد الأمين
بينما تشتعل النيران في قلب الفاشر، وتتساقط القذائف فوق رؤوس المدنيين، تتجدد معركة من نوعٍ آخر — معركة الإعلام والتضليل — يقودها التيار الإسلامي في السودان، المعروف شعبياً باسم الكيزان، وهو الامتداد المحلي لحركة الإخوان المسلمين.
ففي الوقت الذي أعلنت فيه قوات الدعم السريع سيطرتها على مقر الفرقة السادسة مشاة في الفاشر، انطلقت ماكينة الإعلام الإخواني تُحوّل الحدث إلى سلاح سياسي، تُشوّش به الرأي العام، وتحاول عبره ستر إخفاقات متراكمة منذ ثلاثة عقود من التسلط والفشل.
ما يجري في الفاشر اليوم ليس مجرد معركة عسكرية، بل صراع على الوعي، بين من يسعى لوقف الحرب وبناء السلام، وبين من يقتات على استمرارها، خوفاً من أن يُسحب منه آخر ما تبقى من نفوذ.
أولاً: *سقوط مقر الفرقة السادسة مشاة… زلزال سياسي قبل أن يكون عسكرياً*
منذ الساعات الأولى ليوم السبت 26 أكتوبر 2025، تناقلت مصادر متعددة خبر سقوط مقر الفرقة السادسة مشاة بمدينة الفاشر في يد قوات الدعم السريع، بعد معارك عنيفة استمرت أياما.
الخبر أحدث صدمة كبرى في الشارع السوداني، لأن هذا المقر يُعد أحد أهم المواقع الاستراتيجية للجيش في دارفور، وكان يُنظر إليه كآخر معقل من معاقل الدولة في الإقليم.
ورغم أن مصادر المقاومة الشعبية وبعض وحدات الجيش نفت “السقوط الكامل”، مؤكدة استمرار القتال داخل المدينة، إلا أن رمزية الحدث كانت كافية لإحداث هزة عنيفة في الوجدان الوطني.
فالفاشر، التي احتضنت آلاف النازحين من مدن دارفور الأخرى، تحولت فجأة إلى عنوان جديد للفوضى، وإلى مرآة تُظهر مأساة الدولة التي تآكلت مؤسساتها بين مطرقة الحرب وسندان الطموحات السياسية الفاسدة.
في هذه اللحظة الحرجة، كان من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى من يسعى لحل الأزمة، لكن ما حدث هو العكس: الإخوان المسلمون استغلوا المشهد ليفتحوا معركة إعلامية شرسة هدفها تضليل الناس، وصرفهم عن الأسئلة الحقيقية.
ثانياً: كيف استثمر الإخوان سقوط الفاشر لصرف الأنظار؟
لم يكد خبر سيطرة الدعم السريع على مقر الفرقة ينتشر حتى بدأ الإعلام الإخواني — عبر منصاته في بورتسودان، والمنصات التابعة له في الخارج — بضخ روايات متناقضة ومليئة بالمغالطات:
بعضها يتحدث عن “مؤامرة داخلية لتسليم الفاشر”.
بعضها الآخر يروّج أن “الجيش تعمّد الانسحاب لتوريط الدعم السريع أمام المجتمع الدولي”.
وهناك من ذهب إلى أبعد من ذلك، زاعماً أن “قوى مدنية” أو “عملاء الخارج” هم من ساعدوا في سقوط المقر!
كل هذه الروايات هدفها واحد: تشتيت الرأي العام، وإخفاء مسؤولية النظام القديم عن استمرار الحرب.
فالإخوان، الذين فقدوا السلطة منذ ثورة ديسمبر، لم يغادروا المشهد، بل بقوا يتحكمون في جزء كبير من أجهزة الدولة والإعلام، ويستغلونها اليوم لتشويه أي تحرك نحو التسوية السياسية.
إنهم لا يريدون الناس أن يسألوا:
كيف وصلت الحرب إلى هذا الحد؟
ولماذا لم تُحمَ المدن من الانهيار؟
ومن الذي حوّل الجيش إلى أداة سياسية
بل يريدون الناس أن يغرقوا في نقاشات جانبية عن “العمالة” و“الخيانة”، لتبقى الحقيقة مدفونة خلف ضجيج الدعاية.
ثالثاً: الإعلام المضاد كسلاح إخواني لإخفاء السقوط الحقيقي
منذ بداية الحرب في أبريل 2023، استخدم الإخوان المسلمون الإعلام كسلاح استراتيجي، وربما أكثر فاعلية من السلاح الناري.
لقد أسسوا شبكة واسعة من المنصات — بعضها تحت أسماء مدنية، وبعضها مرتبط بواجهات الجيش — لتوجيه الرأي العام حسب مصالحهم.
فحين تتراجع القوات في الميدان، يضخّون أخبار “انتصارات وهمية”.
وحين تقع الكوارث الإنسانية، يتحدثون عن “بطولات وطنية”.
وحين تتكشف فضائح الفساد، يشعلون معركة أخلاقية جديدة ضد “الخصوم”.
اليوم، في أعقاب سقوط مقر الفرقة السادسة، يُمارسون ذات التكتيك.
بدلاً من مناقشة الكارثة الإنسانية في الفاشر — آلاف المدنيين المحاصرين، انقطاع الكهرباء والماء، ونهب المستشفيات — يملأون الفضاء الإلكتروني بحملات “من الذي خان؟” و“من الذي تآمر؟”.
إنه هروب متعمد من مواجهة الواقع، لأن الاعتراف بالحقيقة يعني الإقرار بسقوط مشروعهم السياسي والأخلاقي.
رابعاً: لماذا يريد الإخوان استمرار الحرب؟
يبدو جلياً أن الحرب بالنسبة للإخوان المسلمين ليست مأساة، بل فرصة للبقاء في المشهد السياسي.
ففي حالة السلم، سيُطرح السؤال الطبيعي: من أوصل البلاد إلى هذا الانهيار؟ ومن المسؤول عن انهيار الاقتصاد والجيش والدولة؟
لكن في حالة الحرب، يمكنهم دائماً أن يقولوا إن “العدو” هو السبب، وأن “الوطن مستهدف”، وأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
بهذا المنطق، يستمرون في إشعال الجبهات وتحريك الإعلام، لأن الحرب تمنحهم مبرراً للاستمرار في الظل.
إنهم يعلمون أن أي تسوية سياسية حقيقية ستقصيهم من السلطة إلى الأبد، لأنهم فقدوا ثقة الشارع، ولم يعد لديهم مشروع وطني أو اقتصادي أو حتى أخلاقي يقدمونه.
ولذلك تراهم يحرصون على بقاء الفوضى قائمة، لأن الفوضى وحدها تسمح بعودة “التمكين” القديم تحت غطاء جديد.
خامساً: الفاشر بين مطرقة الحرب وسندان الدعاية
مدينة الفاشر اليوم تُجسد مأساة السودان بأكملها.
مئات القتلى والجرحى، آلاف الأسر الفارة من منازلها، ومرافق طبية مدمرة بالكامل.
لكن بدلاً من أن ينصبّ الاهتمام على كيفية حماية المدنيين وإدخال المساعدات الإنسانية، تحولت المأساة إلى مادة للمزايدات السياسية.
منصات الكيزان تصوّر الحدث على أنه “معركة الكرامة”، بينما هو في الحقيقة كارثة إنسانية كبرى.
يركزون على “هيبة الجيش”، ويتجاهلون أن من يدفع الثمن هم المدنيون العزل.
إنهم لا يرون في سقوط الفاشر إلا فرصة لتجييش المشاعر وإحياء خطاب “نحن أو هم”، بينما تغيب عنهم معاني الوطن والإنسانية.
الإخوان المسلمون بارعون في استثمار المآسي لصنع بطولات وهمية.
فكلما اشتد النزيف، ازدادت خطاباتهم عن “الثبات”، وكلما سقطت مدينة، تحدثوا عن “الابتلاء” و“التمحيص”، وكأن الله يختبر إخلاصهم وحدهم.
بهذا الخطاب العاطفي، يحاولون تحويل الهزيمة إلى انتصار ديني، والفشل السياسي إلى قدر إلهي.
سادساً: سقوط الفاشر كمرآة لسقوط الكيزان
في الحقيقة، سقوط مقر الفرقة السادسة مشاة ليس مجرد هزيمة عسكرية، بل هو انعكاس لفشل شامل للنظام الذي بناه الإخوان منذ انقلاب 1989.
ذلك النظام الذي دمّر مؤسسات الدولة، وحوّل الجيش إلى أداة للتمكين السياسي، وقسّم المجتمع على أسس قبلية وأيديولوجية.
إن ما يحدث اليوم هو حصاد ثلاثين عاماً من الفساد والتضليل.
فالفاشر، التي كانت يوماً مركزاً للتعايش بين القبائل، صارت اليوم ضحية لسياسات فرّقت السودانيين وحرّضت بعضهم على بعض.
الإخوان المسلمون يتحملون القسط الأكبر من المسؤولية، لأنهم أسسوا دولة بلا مؤسسات، وجيشاً بلا عقيدة وطنية، واقتصاداً يقوم على الولاء لا الكفاءة.
وها هي نتائجهم تنفجر أمام أعين الجميع.
لكن بدلاً من الاعتراف، يهرعون إلى الإعلام ليعيدوا كتابة القصة من جديد، وكأنهم أبرياء مما حدث.
سابعاً: الإعلام الكيزاني وتزييف الواقع
من يتابع القنوات والمنصات المحسوبة على الكيزان يلاحظ نمطاً واضحاً من التناقضات:
نشر صور قديمة على أنها مشاهد حديثة من الفاشر.
استخدام عبارات “النصر المبين” بعد كل تراجع ميداني.
استضافة محللين تابعين للتنظيم يتحدثون بلغة “التمكين”، وكأنهم ما زالوا في الحكم
كل ذلك ليس صدفة، بل جزء من منظومة دعائية محكمة تهدف إلى الحفاظ على صورة زائفة للنفوذ.
هم يعلمون أن السيطرة الإعلامية قد تعوض عن فقدان السيطرة في الميدان.
ولهذا يحرصون على احتكار رواية الأحداث، وتحويل الهزيمة إلى “مناورة”، والكارثة إلى “مؤامرة”.
لكن هذه الدعاية لم تعد تقنع أحداً.
فالسودانيون، بعد كل ما مروا به من أكاذيب، صاروا أكثر وعياً.
اليوم، المواطن العادي يميز بين “الخبر الحقيقي” و“الخبر الموجه”، وبين من يتحدث عن الوطن ومن يتحدث لمصلحة حزب أو جماعة.
ثامناً: الحرب كستار لتطبيع الفساد
واحدة من أخطر نتائج الحرب التي يغذيها الإخوان هي تطبيع الفساد تحت غطاء الوطنية.
فحين يسقط مقر عسكري، أو تنهار مدينة، تُفتح أبواب التمويل والتبرعات باسم “دعم الجيش” و“نصرة الوطن”، دون أي شفافية أو محاسبة.
وهكذا، تُعاد عجلة النهب نفسها التي عرفها السودانيون في عهد التمكين، لكن هذه المرة بواجهة “العمل الوطني”.
إن الإخوان لا يخشون فقط فقدان السلطة، بل يخشون أيضاً انكشاف ملفاتهم المالية والسياسية إذا ما توقفت الحرب وبدأت العدالة الانتقالية.
لذلك هم يسعون بكل طاقتهم لإبقاء النار مشتعلة، لأن كل دقيقة حرب إضافية تمنحهم فرصة لإخفاء مزيد من الأدلة وطمس آثارهم.
تاسعاً: الحقيقة أقوى من دعايتهم
مهما حاول الإخوان المسلمون أن يغطوا فشلهم بخطاب الحرب والإعلام، فإن الحقيقة لا يمكن دفنها طويلاً.
الناس في الفاشر، وفي كل مدن السودان، يرون بأعينهم من الذي يقصف ومن الذي ينهب ومن الذي يهرب.
يرون أن الحرب لم تعد حرب وطن ضد عدو خارجي، بل حرب سلطة ضد شعبها، وحرب مصالح ضد بسطاء يبحثون عن لقمة العيش.
إن مشروع الإخوان، الذي عاش على الأزمات، ينهار اليوم أمام صمود الناس.
لم تعد الشعارات الدينية تخفي الجوع، ولا “النصر الإلهي” يغطي على جرائم القتل والنزوح.
الزمن تغيّر، والوعي الشعبي تجاوز أكاذيبهم.
*خاتمة:*
من سقوط الفاشر إلى سقوط المشروع الإخواني
سقوط مقر الفرقة السادسة مشاة في الفاشر ليس مجرد حدث عسكري عابر، بل هو إعلان رمزي عن نهاية مرحلة — مرحلة الكذب والدعاية والتلاعب بالعقول.
لقد سقطت الفاشر، لكن قبلها سقطت مصداقية الإخوان المسلمين، وسقط مشروعهم الذي بنوه على الدماء والتفرقة.
لقد حاولوا أن يجعلوا من الحرب جسراً للعودة إلى السلطة، لكن الحرب نفسها كشفت حقيقتهم للعالم.
وها هو السودان يدفع اليوم ثمن عقود من الفساد والتمكين، بينما الإخوان ما زالوا يصرّون على المتاجرة بالمآسي لتلميع صورتهم الباهتة
لكن الشعب السوداني، رغم جراحه، لم يعد قابلاً للخداع.
لقد تعلّم أن من يتحدث عن “الوطنية” وهو يعيش على الأزمات ليس إلا تاجراً في سوق الدم.
وأن من يبكي على “الكرامة” بينما ينهب قوت الناس، لا يمكن أن يبني سلاماً.
إن الحرب ستنتهي يوماً، ومعها سينتهي زمن الكيزان، لأن الأوطان لا تبنى بالدعاية ولا بالشعارات، بل بالحقيقة، وبالناس الذين تعبوا من الموت، ويريدون أن يعيشوا بسلام.




