رأي

أفعال وسلوكيات الكيزان التي لازمت الشعب السوداني وضرورة الفطام الجذري من أجل التغيير المنشود.

سهيبه مريش

 

سهيبه مريش 

لطالما شكلت التجارب التاريخية محطات مفصلية في مسيرة الشعوب، وفي حالة السودان، مثلت فترة حكم النظام السابق، المعروف باسم الكيزان عقوداً من التحولات العميقة التي لم تقتصر آثارها على البنية السياسية والاقتصادية فحسب، بل امتدت لتتغلغل في النسيج الاجتماعي والسلوكيات الفردية للمجتمع. إن الحديث عن التغيير الجذري الذي ينشده الشعب السوداني اليوم يتجاوز مجرد الإطاحة بنظام أو تغيير قوانين؛ بل يقتضي فحصاً نقدياً لتلك الممارسات والسلوكيات التي ترسخت في وجدان الأفراد والمؤسسات بفعل تلك الحقبة. السؤال الأهم الذي يواجه كل من يرفع شعار التغيير هو: كيف يمكن تحقيق دولة العدالة والحرية والديمقراطية بينما لا تزال الأنماط السلوكية الموروثة عن النظام السابق تسيطر على أداء بعض الأفراد المنخرطين في مسيرة التغيير ذاتها؟ إن استمرار هذه السلوكيات يشكل تهديداً وجودياً لآمال الثورة.

إن المبدأ الأساسي الذي قامت عليه دعوات التغيير كان قطع الصلة بأي مظهر من مظاهر الظلم والاستبداد الذي مارسه النظام البائد. ومع ذلك، يلاحظ المراقب أن بعض السلوكيات التي كانت سمة مميزة لذلك العهد، كالمحسوبية، والولاءات الضيقة، والفساد المستتر، والاستغلال للسلطة ولو في نطاق ضيق، ما زالت تظهر بين الحين والآخر حتى بين صفوف من يدعون التمسك بقيم الثورة. هذه الأفعال ليست مجرد أخطاء فردية عابرة، بل هي إفراز لمنظومة سلوكية تم زرعها وتغذيتها لعقود، مما جعلها تبدو كطبيعة ثانية لبعض الممارسين. عندما نفكر في الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية، والتدهور الاقتصادي المدقع، والتشرذم المجتمعي الذي يعاني منه السودان اليوم، فإن جزءاً كبيراً من المسؤولية يقع على عاتق هذه السلوكيات المتجذرة التي استغلت موارد الدولة لمصالح فئوية ضيقة.

إن التغيير الجذري، كما ينص عليه النداء الشعبي، يجب أن يكون شاملاً وعميقاً، يستهدف القناعات والسلوكيات قبل أن يستهدف الهياكل وحدها. فإذا كانت الدولة الجديدة تطمح للعدالة، فكيف يمكن تحقيقها إذا استمر الأفراد في تبني سلوك الكيزان في التعامل مع الآخرين، سواء في التعيينات، أو توزيع الخدمات، أو حتى في إدارة النقاش العام، حيث يغلب الاستقطاب والشيطنة بدلاً من الحوار البناء؟ إن التغيير السلوكي هو الحجر الأساس الذي لا يمكن البناء عليه إلا بإزالة الرواسب القديمة من العقلية الجمعية.

من الأمثلة الواضحة على تلازم هذه السلوكيات هو استمرار ظاهرة الانتهازية والتبعية للسلطة أياً كانت. فقد اعتاد كثيرون على أن تكون الولاءات هي مفتاح الترقي والنجاح، سواء كان ذلك في العمل العام أو الخاص. وعندما تسقط سلطة ما، يميل البعض إلى التحول السريع والانتهازية للاندماج في الدائرة الجديدة، متبنين نفس الأساليب القديمة لتأمين مصالحهم الشخصية أو الجماعية، دون أي اعتبار للمبادئ التي أعلنت الثورة من أجلها. هذا التناقض بين الشعارات العريضة والتطبيق السلوكي اليومي هو ما يولد الإحباط في صفوف الشعب الذي ضحى بالغالي والنفيس.

السؤال المطروح بقوة: لماذا كل هذا الموت والخراب والدمار في البنية التحتية وتدمير المجتمع والاقتصادي؟ الإجابة تكمن في أن التأسيس الذي تم في ظل النظام السابق لم يكن يهدف إلى بناء دولة المؤسسات والعدالة، بل كان يهدف إلى بناء دولة الولاءات الشخصية والمحاصصات الأيديولوجية. ولذلك، فإن أي محاولة لإعادة بناء الدولة على أسس سليمة تتطلب فطاماً حقيقياً لهذه الأجيال التي تشبعت بثقافة الاستثناء والمحسوبية.

إن الفطام المطلوب هنا هو عملية تطهير ذاتي ومجتمعي. يجب على كل فرد ينخرط في مسيرة التغيير أن يسأل نفسه بصدق: هل سلوكي اليوم يخدم دولة الحرية التي أحلم بها؟ هل أتعامل مع زملائي الموظفين أو المواطنين بنفس العدالة التي أطالب بها لنفسي؟ إن تبني ثقافة النزاهة والشفافية والمساواة أمام القانون، ليس مجرد شعارات تُرفع في الميادين، بل هي ممارسات يومية في اتخاذ القرارات الصغيرة والكبيرة.

على سبيل المثال، في مجال محاربة الفساد، لا يكفي تشكيل لجان للمساءلة؛ بل يجب أن يبدأ التغيير من رفض الموظف الصغير لأي محاولة رشوة أو وساطة غير مشروعة، ورفض المدير تمرير قرار يخدم المقربين على حساب المصلحة العامة. هذه السلوكيات الصغيرة، التي قد تبدو هامشية، هي بالضبط ما شكل العمود الفقري لنظام الكيزان الاقتصادي والاجتماعي.

إن التغيير الجذري الذي ننشده لا يمكن أن يتحقق إذا بقي الأفراد يحملون عقلية الغنائم الموروثة من زمن الاستيلاء على ممتلكات الدولة والمجتمع. التغيير الحقيقي هو تحول في الوعي يدرك أن المصلحة العامة هي القيمة العليا التي يجب أن تخضع لها كل المصالح الفئوية والشخصية. إذا لم يقم المنخرطون في التغيير بتغيير سلوكياتهم أولاً، فإنهم سيصبحون مجرد نسخة جديدة من القديم، وإن اختلفت الشعارات الظاهرة.

 

في الختام،

إن الطريق إلى تأسيس دولة العدالة والحرية والديمقراطية في السودان محفوف بالعقبات، وأكبر هذه العقبات ليست فقط مقاومة النظام القديم، بل مقاومة الإرث السلوكي الذي تركه. يتطلب التغيير المنشود يقظة مستمرة وفطاماً صعباً لتلك الأفعال والممارسات التي ترسخت بفعل الاستبداد. على كل مواطن، وخاصة من يقودون عملية التحول، أن يدرك أن السلوك الفردي هو المرآة التي سيعكس عليها مستقبل الدولة. التغيير يبدأ من داخل النفس، ومن خلال الممارسة اليومية للنزاهة والعدل، وإلا فإن دماء الشهداء وتضحيات الشعب ستذهب سدى أمام تراكمات سلوكيات قديمة لا ترغب في التخلي عن رداء الاستئثار والانتفاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!