تقارير وتحقيقات

مجزرة الفولة… طائرة مسيّرة تحوّل طريق العزاء إلى مأتم جماعي في غرب كردفان

التنوير تقرير خاص

التنوير – تقرير خاص

تحولت رحلة قصيرة نحو أداء واجب العزاء إلى مأساة إنسانية مروعة في ولاية غرب كردفان، بعدما استهدفت طائرة مسيّرة عربة مدنية كانت تقل عشرات النساء والرجال في طريقهم إلى منطقة كدام، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا في واحدة من أكثر الحوادث دموية خلال الأشهر الأخيرة في الإقليم المضطرب.

وبحسب مصادر محلية وإنسانية، فقد ارتفع عدد ضحايا الهجوم إلى أكثر من 52 قتيلاً، بينهم أكثر من 40 امرأة من مكوّن الحوازمة – الرواوقة، إضافة إلى عدد من الأطفال، بينما أُصيب آخرون بجروح متفاوتة. ووقع الهجوم بين منطقتي البيجا ومدام قرب مدينة الفولة، عندما كانت الشاحنة تقل مدنيين متجهين للمشاركة في مراسم عزاء.

ووصفت مصادر وشهود عيان المشهد الذي أعقب الضربة بأنه كان صادماً ومروّعاً، إذ تناثرت بقايا العربة على الطريق، بينما سقط الضحايا في محيط الموقع، في حين حاول بعض السكان المحليين إنقاذ المصابين وإسعافهم بوسائل بدائية قبل نقلهم إلى المراكز الصحية القريبة.

طريق العزاء يتحول إلى ساحة موت

تشير المعلومات الأولية إلى أن العربة المدنية التي تعرضت للهجوم كانت تقل مجموعة كبيرة من النساء والرجال، غالبيتهم من النساء، في طريقهم للمشاركة في مراسم عزاء بإحدى القرى القريبة من منطقة كدام. غير أن الرحلة لم تكتمل، بعدما استهدفت الطائرة المسيّرة المركبة بشكل مباشر.

وأفادت مصادر محلية بأن شدة الانفجار أدت إلى سقوط عدد كبير من القتلى في الحال، فيما أُصيب آخرون بجروح خطيرة. كما أوضحت أن بعض الجثث تعذر التعرف عليها بسبب شدة الإصابات، ما صعّب على الأهالي تحديد هويات الضحايا بسرعة.

وسارع سكان القرى المجاورة إلى موقع الحادث فور وقوعه، حيث حاولوا نقل المصابين باستخدام عربات محلية أو وسائل بدائية، في ظل غياب الإمكانات الطبية الكافية في المنطقة. وقد تم إسعاف ثمانية مصابين في منطقة البيجا قبل نقلهم لاحقاً إلى مستشفى الفولة التعليمي لتلقي العلاج.

سلسلة هجمات جوية تقلق السكان

لم يكن هذا الهجوم حادثة معزولة، إذ تأتي المجزرة في سياق تصاعد الهجمات الجوية التي شهدتها ولاية غرب كردفان خلال الأسابيع الماضية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة بين السكان المحليين والمنظمات الإنسانية.

ففي 16 فبراير الماضي، قُتل 26 نازحاً بينهم خمس نساء وخمسة عشر طفلاً، وأصيب نحو 15 آخرين في قصف بطائرة مسيّرة استهدف مخيماً للنازحين في مدينة السنوط. وقد أثارت تلك الحادثة آنذاك موجة استنكار واسعة بسبب استهداف موقع يضم مدنيين فارين من مناطق القتال.

كما شهدت المنطقة حادثة أخرى في أول أيام شهر رمضان، عندما سقط قتلى بينهم أطفال إثر قصف استهدف مورداً للمياه في منطقة أم رسوم، وهو ما زاد من حالة القلق بين الأهالي الذين يعتمدون على تلك الموارد الحيوية في حياتهم اليومية.

ويرى مراقبون أن تكرار هذه الضربات الجوية في مناطق مأهولة بالمدنيين يرفع من مستوى المخاطر الإنسانية في الإقليم، خاصة في ظل ضعف البنية الصحية وندرة خدمات الطوارئ.

الفولة تحت نيران المسيرات

في اليوم نفسه الذي وقعت فيه مجزرة العربة المدنية، أفاد سكان محليون بأن طائرة مسيّرة استهدفت موقعاً يُعتقد أنه يتبع لاستخبارات قوات الدعم السريع داخل مدينة الفولة، ما أدى إلى مقتل سائق يعمل في خط مواصلات محلي كان بالقرب من الموقع.

كما ذكر شهود أن هجوماً آخر أصاب سوق الفولة في اليوم ذاته، وأسفر عن مقتل عبدالحبيب العشا، المدير الإداري لمستشفى الفولة، في حادثة زادت من حدة الصدمة داخل المجتمع المحلي.

وتشير هذه التطورات إلى أن المدينة ومحيطها باتت مسرحاً لعمليات عسكرية متكررة، ما يجعل المدنيين في دائرة الخطر المباشر، خصوصاً في ظل تداخل المناطق السكنية مع المواقع التي يُعتقد أنها أهداف عسكرية.

مخاوف من كارثة إنسانية أوسع

أثارت المجزرة الأخيرة موجة غضب واسعة بين السكان المحليين، وسط تحذيرات متزايدة من أن استمرار استهداف المناطق المدنية قد يقود إلى تفاقم المأساة الإنسانية في الإقليم، الذي يعاني أصلاً من تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية.

ويخشى مراقبون أن يؤدي تكرار هذه الحوادث إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية وزيادة حالة النزوح الداخلي، خصوصاً في ظل الحديث عن سقوط ضحايا على أساس الانتماء الاجتماعي أو الجغرافي في بعض المناطق المتأثرة بالنزاع.

كما تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات مدنية إلى فتح تحقيق عاجل ومستقل للكشف عن ملابسات ما جرى، وتحديد المسؤولين عن الهجوم، ومحاسبتهم وفقاً للقوانين الدولية والإنسانية.

وفي الوقت نفسه، يؤكد سكان محليون أن ما جرى يعكس حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون في مناطق النزاع، حيث أصبحت الطرق والأسواق ومصادر المياه وحتى مخيمات النزوح مواقع محتملة للخطر.

وبينما يواصل الأهالي دفن ضحايا المجزرة في أجواء يخيّم عليها الحزن والغضب، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً: إلى متى سيظل المدنيون يدفعون ثمن الحرب؟

ففي غرب كردفان، كما في مناطق أخرى من السودان، لم تعد المأساة مجرد خبر عابر، بل واقع يومي يترك خلفه مزيداً من الفقدان والخوف، ويعمّق جراح مجتمع أنهكته سنوات طويلة من الصراع وعدم الاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!