رأي

قبل ١٥ أبريل كانت الحرب تعلن في الخرطوم

عبد العزيز بخات المحامي

 

عبدالعزير بخات المحامي 

قبل اندلاع حرب 15 ابريل 2023 في السودان لم تكن مؤشرات المواجهة العسكرية خافية على المتابعين للمشهد السياسي والامني بل كانت هناك اشارات علنية ومتكررة صدرت من داخل دوائر الحركة الاسلامية ورموز نظام الاخوان المسلمين تشير بوضوح الى ان خيار الحرب كان مطروحا ومناقشا بل ومعلنا في بعض المناسبات العامة ومن بينها افطارات شهر رمضان التي تحولت من مناسبات اجتماعية الى منصات خطاب سياسي وتحريضي حمل في طياته تهديدات صريحة ضد قوى الثورة وضد الاتفاق الاطاري وضد التحول المدني الديمقراطي

في تلك اللقاءات التي حضرها عدد من رموز النظام السابق وقيادات الحركة الاسلامية كان الخطاب يتجاوز حدود النقد السياسي الى لغة التهديد الصريح حيث ترددت عبارات من قبيل سوف ندفن الاتفاق الاطاري وسوف نسحق قوى الثورة وسوف تعود السلطة بالقوة اذا لزم الامر ولم يكن ذلك الحديث يجري في جلسات مغلقة او في دوائر سرية بل قيل في العلن وتحت سمع وبصر القوات النظامية والاجهزة العدلية والامنية وهو ما يعكس حالة الثقة التي كان يتحدث بها قادة الاخوان المسلمين وكأنهم يتحركون في مساحة محمية سياسيا وامنيا

هذا الخطاب لم يكن مجرد تصريحات عابرة او انفعالات سياسية بل كان جزءا من مناخ تعبئة وتحريض سبق الحرب بوقت كاف حيث جرى الترويج لفكرة المواجهة باعتبارها وسيلة لاسقاط الاتفاق الاطاري وافشال عملية الانتقال السياسي التي رأت فيها الحركة الاسلامية تهديدا مباشرا لنفوذها التاريخي داخل مؤسسات الدولة وخصوصا داخل المؤسسة العسكرية والاجهزة الامنية

وفي ذات السياق ظهرت مؤشرات متعددة على ان الحركة الاسلامية كانت تعمل على اعادة تنظيم قواها الموازية من خلال شبكات قديمة تشكلت خلال سنوات حكمها الطويلة حيث جرى الحديث عن اعادة احياء الكتائب والواجهات التنظيمية التي عرفت في فترات سابقة باسم كتائب الظل وتنظيمات الدفاع الشعبي وغيرها من البنى شبه العسكرية التي ارتبطت تاريخيا بمشروع التمكين الايديولوجي داخل الدولة

كما برزت دعوات التعبئة التي رفعت شعارات الموت والاستشهاد في مواجهة ما سمي بالمشروع العلماني او قوى الثورة وهي شعارات استخدمت لتعبئة قطاعات من الشباب وربط الصراع السياسي بخطاب ديني تعبوي يعيد انتاج ذات الادوات التي استخدمتها الحركة الاسلامية في مراحل سابقة من تاريخها السياسي

ولم تقف هذه المؤشرات عند حدود الخطاب بل امتدت الى مظاهر تنظيمية تمثلت في لقاءات مغلقة ومفتوحة واجتماعات تنسيقية وتجنيد عناصر جديدة واعادة ربط الشبكات القديمة التي كانت قد تراجعت بعد سقوط نظام عمر البشير في اعقاب ثورة ديسمبر المجيدة حيث سعت الحركة الاسلامية الى استعادة قدرتها على الحشد والتأثير داخل المجال العام وفي محيط المؤسسات العسكرية والامنية

المثير للقلق في تلك المرحلة ان هذه التحركات جرت في العلن دون ان تواجه بردع قانوني حاسم من قبل الاجهزة العدلية او الامنية رغم ان القوانين السودانية تجرم التحريض على العنف وتكوين المليشيات والتنظيمات العسكرية خارج اطار الدولة وكان بوسع تلك الاجهزة ان تتخذ خطوات قانونية واضحة تشمل التحقيق والمساءلة وربما الاعتقال الوقائي لكل من يثبت تورطه في التحريض على الحرب او الدعوة لتكوين تشكيلات مسلحة موازية

غير ان ما حدث كان على العكس تماما اذ بدا وكأن هناك حالة من التغاضي او التقاعس عن التعامل مع تلك التصريحات والتحركات رغم خطورتها وهو ما فتح الباب امام تصاعد الخطاب التحريضي دون اي تكلفة قانونية تذكر الامر الذي منح تلك القوى شعورا اضافيا بالحصانة والثقة

ومن منظور قانوني وسياسي فان السماح بخطاب يدعو صراحة الى الحرب ويهدد العملية السياسية دون مساءلة يمثل خللا عميقا في منظومة سيادة القانون ويطرح اسئلة جوهرية حول مسؤولية مؤسسات الدولة التي كان يفترض ان تحمي السلم الاجتماعي وتمنع الانزلاق الى العنف

كما ان تلك المرحلة كشفت ان الحرب لم تكن انفجارا مفاجئا بل كانت نتيجة مسار من التعبئة السياسية والعسكرية والتعبوية التي شاركت فيها قوى متعددة وكان للحركة الاسلامية ورموز نظام الاخوان المسلمين دور واضح في تأجيج ذلك المناخ عبر خطاب تعبوي حاد وتهديدات علنية واعادة تنظيم شبكات شبه عسكرية تحت شعارات دينية وسياسية

ان قراءة تلك الوقائع اليوم تفرض ضرورة مساءلة كل من ساهم في التحريض على الحرب او في تهيئة مناخها السياسي والتنظيمي لان ما جرى لم يكن مجرد صراع عسكري بل كارثة وطنية دفعت ثمنها المدن والقرى السودانية وراح ضحيتها الاف المدنيين وتشرد بسببها الملايين

كما تفرض تلك القراءة ضرورة الاعتراف بان منع الحرب كان ممكنا لو جرى التعامل بحزم مع دعوات التعبئة العسكرية والتحريض العلني على العنف ولو قامت الاجهزة الامنية والعدلية بدورها في تطبيق القانون على الجميع دون استثناء

ان التجربة السودانية منذ 15 ابريل 2023 تكشف بوضوح ان التساهل مع خطاب الكراهية والتحريض على الحرب يمكن ان يتحول بسرعة الى واقع دموي يدفع ثمنه الشعب كله وهو درس قاس يضع على عاتق القوى السياسية والمجتمعية مسؤولية بناء دولة قانون حقيقية لا تسمح لاي تنظيم سياسي او ايديولوجي بان يمتلك مليشيات او كتائب موازية للدولة او ان يحول الخلاف السياسي الى مشروع حرب مفتوحة ضد الوطن والمجتمع

وتترجم الفكرة التي يعبر عنها كثير من المراقبين في عبارة كانت تتردد في التحليلات السياسية

الحرب لم تكن مفاجأة بل كانت تكتب على الجدران

والمعنى المقصود بها ان مؤشرات الحرب كانت واضحة ومعلنة لمن اراد ان يراها قبل ان تتحول الى واقع دموي عاشه السودان بعد 15 ابريل 2023

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!