هل خانتنا الشعارات أم خذلتنا البُنى؟ ثورة ديسمبر بين استحالة الانتصار وإمكانية إعادة التأسيس
عبد الرحمن ابو رندة ... بنسلفانيا

عبد الرحمن أبو رندة.. بنسلفانيا
الثورة سؤال مفتوح لا إجابة جاهزة
هل يمكن لثورة ديسمبر أن تنجح وتمضي نحو غاياتها الكبرى: الحرية، السلام، والعدالة؟ أم أن هذه الحرب، بما أفرزته من استقطاب حاد واستقطاب مضاد، وانقسام اجتماعي عميق، قد أعادت تشكيل الواقع السوداني على نحو يجعل تلك الغايات أقرب إلى الحلم المؤجل؟
هذا السؤال لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح سؤال وجود سياسي. فالثورة اليوم لا تواجه خصوماً فقط، بل تواجه نفسها: مسارها، أدواتها، ووعيها بذاتها وبالواقع الذي تتحرك فيه.
الحقيقة القاسية التي لا يمكن القفز فوقها هي أن ثورة ديسمبر انحرفت – جزئياً – عن مسارها الأصلي، لا لأن شعاراتها كانت خاطئة، بل لأن الشعارات وحدها لا تصنع ثورة مكتملة الأركان، ولا تهزم دولة عميقة متجذرة في التاريخ والاقتصاد والعقل الجمعي.
من إسقاط النظام إلى العجز عن تفكيك الدولة
أثبتت التجربة أن إسقاط نظام سياسي أسهل بكثير من تفكيك الدولة التي أنجبته وحمته. فالدولة السودانية ليست “إسلاموية” فقط، بل هي دولة نخبوية مركزية قابضة، صُممت منذ الاستعمار لتكون دولة مركز يهيمن على الأطراف، ويعيد إنتاج الامتيازات ذاتها مهما تغيّرت الواجهات.
الثورة واجهت هذه الدولة بلا أدوات كافية:
لم تمتلك تصوراً واضحاً لإعادة هيكلة السلطة.
لم تطرح نموذجاً اقتصادياً بديلاً.
لم تُنتج مشروعاً وطنياً جامعاً يتجاوز المركزية التاريخية.
فاكتفت بالصدام مع القشرة السياسية للنظام، بينما بقيت البُنى العميقة – الأمنية، الاقتصادية، الاجتماعية – على حالها، تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.
مأزق الرؤية: حين انتصرت الأخلاق وهُزمت السياسة
تمسكت الثورة، وبحق أخلاقي كامل، بشعارات الحرية والسلام والعدالة. لكنها أخفقت في تحويل هذه القيم إلى برنامج سياسي، وإلى سياسات عامة، وإلى خرائط طريق قابلة للتنفيذ.
وحين جاء الدكتور عبد الله حمدوك رئيساً للوزراء، وأعلن صراحة أنه لم يجد برنامجاً جاهزاً لدى قوى الحرية والتغيير، لم يكن ذلك زلة لسان، بل شهادة تاريخية على فراغ استراتيجي عميق.
القوى المدنية التي عارضت النظام الإسلاموي لأكثر من ثلاثين عاماً، لم تستثمر زمن المعارضة في بناء بدائل حقيقية، بل اكتفت بخطاب الرفض. وعندما سقط النظام، وُضعت فجأة أمام سؤال الحكم، فارتبكت، وتعثرت، وفتحت الباب واسعاً أمام قوى الثورة المضادة.
الشعار حين يتحول إلى فخ: قراءة نقدية لـ«العسكر للثكنات»
من أخطر ما واجه الثورة هو اختلال جهازها المفاهيمي. بعض الشعارات التي رُفعت، رغم صدقيتها العاطفية، حملت في طياتها التباساً سياسياً خطيراً.
شعار «العسكر للثكنات والجنجويد ينحل» مثال صارخ. فالجزء الثاني من الشعار لم يكن بريئاً بالكامل، بل تسلل عبر قوى الردة، مستثمراً في تاريخ دموي حقيقي، لكنه موجهاً الوعي الثوري نحو معركة ملتبسة.
مصطلح “العسكر” يشمل الجميع: الجيش، الدعم السريع، والحركات المسلحة. لكن الثورة، في لحظة معينة، قبلت عملياً بانحياز الدعم السريع، ورفعت شعارات مثل: «حميدتي الضكران الخوف الكيزان»، وهو شعار منتوج كيزاني بحت، استُخدم لإحداث شرخ في بنية الوعي الثوري، لا لتعميقها.
كيف شُقّت الثورة من داخلها؟
قوى الردة – ممثلة في جماعات الهوس الديني وأصحاب الامتيازات التاريخية – لم تواجه الثورة وجهاً لوجه فقط، بل اخترقتها من الداخل.
عملت على:
خلط المفاهيم بدل توضيحها.
شيطنة بعض الفاعلين وتقديس آخرين حسب الظرف.
دفع الثورة إلى صراعات جانبية تستنزف طاقتها.
وبمرور الوقت، تحولت الثورة من مشروع تغيير جذري إلى ساحة استقطاب، يُطلب فيها من الناس أن يحددوا موقفهم بـ“مع أو ضد”، دون أن يُمنحوا فرصة لفهم التعقيد الحقيقي للصراع.
الحرب: تتويج لانهيار السياسة لا بديلاً عنها
الحرب الحالية ليست قطيعة مع مسار ما بعد الثورة، بل هي ذروته الكارثية. هي نتيجة مباشرة لعجز المدنيين عن بناء سلطة، وعجز العسكريين عن القبول بالخروج من السياسة، وفشل الجميع في إعادة تعريف الدولة.
هذه الحرب عمّقت الانقسام الاجتماعي، وأعادت إنتاج الهويات القاتلة، وهددت ما تبقى من نسيج وطني. لكنها في الوقت ذاته كشفت زيف كثير من المسلمات، ووضعت الثورة أمام اختبار وجودي:
إما إعادة التأسيس… أو الذوبان.
تغيير العقليات: المعركة الأصعب والمؤجلة
كل تجارب الثورات في العالم تؤكد حقيقة واحدة: تغيير الأنظمة أسهل بكثير من تغيير العقليات.
العقل السوداني – مثل غيره – تشكل عبر عقود من الاستبداد، والخوف، والوصاية، والطائفية، والمركزية. والثورة لم تخض بعد معركتها الحقيقية مع هذا العقل.
لا يمكن لثورة أن تنتصر دون:
ثورة مفاهيم.
إعادة تعريف السياسة، والسلطة، والدولة.
بناء وعي نقدي لا يقدس الأشخاص ولا الشعارات.
هل ما زال الأمل ممكناً؟
نعم، الأمل ممكن، لكنه ليس مضموناً.
ثورة ديسمبر لن تنجح بالشعارات وحدها، ولن تُهزم بالحرب وحدها. مصيرها يتوقف على قدرتها على مراجعة نفسها بجرأة، والاعتراف بأخطائها دون جلد ذات، وبناء رؤية جديدة تتناسب مع تعقيد الواقع السوداني.
إما ثورة تعيد تأسيس الدولة على أسس جديدة…
أو ذكرى عظيمة أجهضتها الدولة العميقة مرة أخرى.
والتاريخ، كما نعلم، لا يرحم المترددين.




