مشاورات أديس أبابا: لماذا يبدو التقارب ممكناً بين صمود والكتلة الديمقراطية ومستحيلاً مع تأسيس؟ (1-2)
د. نورالدين هلال

د. نورالدين هلال
عضو المكتب التنفيذي لإتحاد المهنيين والنقابات(تأسيس)
تأتي مشاورات أديس أبابا في ظل مساعٍ إقليمية ودولية لإيجاد مخرج سياسي للحرب السودانية، غير أن تركيبة المشاركين تكشف منذ البداية عن تناقضات عميقة تجعل الوصول إلى توافق شامل أمراً بالغ الصعوبة.
فالمشاورات تضم ثلاثة تيارات مدنية رئيسية تختلف جذرياً في رؤيتها للحرب والسلام ومستقبل الدولة السودانية. يتمثل التيار الأول في “صمود” التي ترفع شعار وقف الحرب واستعادة الحكم المدني وإبعاد القوى المرتبطة بالنظام السابق. أما التيار الثاني، “الكتلة الديمقراطية”، فقد ارتبط بدعم انقلاب أكتوبر 2021 ويقف اليوم سياسياً إلى جانب الجيش والحكومة القائمة في بورتسودان. بينما يمثل “تأسيس” تياراً ثالثاً يتبنى مشروعاً سياسياً مختلفاً يقوم على إعادة تأسيس الدولة السودانية ومؤسساتها العسكرية والمدنية وفق رؤية نص عليها ميثاق التحالف ودستوره الانتقالي.
ومن هنا تنشأ المعضلة الأساسية للمشاورات. فبينما تدخل صمود والكتلة الديمقراطية إلى طاولة الحوار بحثاً عن ترتيبات سياسية محتملة داخل إطار الدولة القائم، يدخل تأسيس وهو يحمل تصوراً متكاملاً ومعلناً لشكل الدولة التي ينبغي أن تنشأ بعد الحرب. ولذلك فإن الخلاف بين تأسيس والطرفين الآخرين لا يتعلق بتفاصيل سياسية قابلة للتفاوض، بل يمتد إلى طبيعة الحل نفسه والغاية النهائية التي يجب أن تنتهي إليها الحرب.
ويزداد هذا التناقض وضوحاً في ظل تمسك بعض مكونات الكتلة الديمقراطية بإبعاد وفد تأسيس كشرط للاستمرار في المشاورات، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول جدوى مشاركة التحالف في عملية سياسية لا يبدو أن الأطراف الأخرى مستعدة للاعتراف بدوره أو مناقشة مشروعه السياسي بصورة حقيقية.
في المقابل، ورغم التباينات المعروفة بين صمود والكتلة الديمقراطية، فإن فرص التقارب بينهما تبدو أكبر من فرص التوافق مع تأسيس. فالطرفان يتحركان داخل إطار الدولة السودانية التقليدية، كما أن كليهما قد يجد مصلحة في ترتيبات سياسية جديدة تعيد تشكيل المشهد المدني في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.
وتعزز هذه الفرضية مؤشرات متزايدة على وجود رغبة لدى الفريق أول عبد الفتاح البرهان في إعادة ترتيب تحالفاته السياسية، بما يتيح له تقليص نفوذ بعض حلفائه الإسلاميين وفتح قنوات تفاهم مع قوى مدنية يمكن أن تمنحه شرعية سياسية جديدة في الداخل والخارج. وفي هذا السياق قد تمثل مشاورات أديس أبابا جزءاً من عملية إعادة تشكيل للمشهد السياسي أكثر من كونها منصة للتوصل إلى توافق وطني شامل.
وعليه، فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب الحوار، بل في غياب الاتفاق على السؤال الجوهري الذي يجب أن يسبق أي عملية تفاوضية:
على ماذا يجب أن تنتهي هذه الحرب؟
هل تنتهي بإعادة إنتاج الدولة القديمة وتحالفاتها التقليدية؟ أم بتسوية مؤقتة تؤجل الأزمة إلى جولة جديدة من الصراع؟ أم بمشروع جديد يعالج جذور الأزمة السودانية ويؤسس لدولة مختلفة؟
ما لم تتوفر إجابة واضحة ومشتركة على هذا السؤال، فإن مشاورات أديس أبابا ستظل أقرب إلى إدارة التناقضات السياسية بين الأطراف المختلفة منها إلى صناعة سلام حقيقي ومستدام. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو التقارب بين صمود والكتلة الديمقراطية ممكناً، بينما يظل التوافق مع تأسيس أقرب إلى المستحيل، ليس بسبب غياب الإرادة السياسية فحسب، وإنما بسبب اختلاف الرؤية حول نهاية الحرب نفسها.
غير أن التناقضات بين التيارات المدنية ليست وحدها ما يستحق التوقف عنده. فخلف المشهد المعلن تبدو هناك حسابات سياسية أكثر تعقيداً تتعلق بموقع قيادة الجيش نفسها، ومستقبل تحالفاتها المدنية والعسكرية، وإمكانية إعادة تشكيل المشهد السياسي في مناطق سيطرة الحكومة.
وهو ما سنحاول التوقف عنده في الجزء الثاني من هذا المقال.




