
مؤيد الأمين
لم يكن ما ظهر في تسريب القائد الإسلاموي (كبر) — الذي بثّته (سكاي نيوز عربية) صدمةً كبرى كما حاولت بعض المنصات تصويره، ولا كشفاً مدوّياً لقارةٍ مجهولة. الحقيقة أن ما قيل في ذلك التسجيل لم يكن أكثر من إعادة تلاوة لما ظلّ كثيرون يرددونه لسنوات٫ أن الجنرال عبد الفتاح البرهان ليس سوى واجهةٍ في لعبةٍ أكبر، وأن خيوط المسرح تُشدّ من خلف الستار بواسطة الإسلامويين.
السؤال الأول الذي يفرض نفسه
هل جاء التسريب بجديد؟
الجواب ببساطة: لا.
كل ما فعله الرجل أنه قال بصوتٍ مرتفع ما ظلّ يُقال همساً وعلناً منذ زمن. ففكرة أن البرهان ليس صاحب القرار، وأنه يتحرك ضمن منظومة إسلاموية صنعت صعوده داخل المؤسسة العسكرية، ليست اكتشافاً حديثاً. فمنذ أن بسط التيار الإسلاموي نفوذه على الجيش خلال عقود حكمه، كان من البديهي أن الترقي إلى الرتب العليا يمر عبر بوابة الولاء، لا عبر بوابة الكفاءة.
السؤال الثاني
لماذا إذن كل هذه الضجة؟
ربما لأن بعض الحقائق لا تُصدّق إلا عندما ينطق بها أهلها. فعندما يقول الخصوم إن الإسلامويين يديرون المشهد من الخلف يُتهمون بالمبالغة، لكن حين يتحدث أحد قادتهم، تتحول المعلومة ذاتها إلى (تسريب تاريخي).
في الفيديو أيضاً ، إشارة لافتة حين وصف “كبر” البرهان بأنه لم يكن أكثر من حارس تم الدفع به بعد سقوط عوض بن عوف عندما رفضه الشارع. وهنا يبرز سؤال ثالث!؟
هل البرهان صانع القرار أم مجرد منفّذ؟
التسجيل يجيب بوضوح: الرجل بحسب الرواية الإسلاموية نفسها ليس صاحب رؤية، بل شخصية تُستدعى عندما تحتاج المنظومة إلى واجهة عسكرية مقبولة.
لكن السؤال الأهم ربما هو: هل التسريب بريء فعلاً؟
تاريخ الإسلامويين السياسي يوحي بالعكس. فهذه مدرسة سياسية أتقنت عبر عقود صناعة الضجيج الإعلامي لصرف الانتباه عن ملفات أخطر. لذلك لا يستبعد بعض المراقبين أن تتحول القصة قريباً إلى مسرحية جديدة ربما إعلان إبعاد (كبر)، وربما ظهوره لاحقاً بصفة (المنشق الشجاع) الذي قرر فضح رفاق الأمس.
إنها لعبة قديمة, عدوّ في العلن… وحليف في الظل.
يُصنع الصراع ليُشغل الجمهور، بينما تمضي القرارات الحقيقية في مكان آخر.
في النهاية، يبقى السؤال الأخير ؟! وربما الأصدق ماذا غيّر التسريب فعلياً؟
الجواب ،لا شيء تقريباً.
فالحقيقة التي حاول البعض اكتشافها اليوم كانت معروفة منذ زمن، أن الحرب، والسياسة، والسلطة في السودان تحركها شبكة مصالح الإسلامويين قبل أي شيء آخر. وما فعله التسريب ليس كشف الحقيقة… بل مجرد إعادة قراءتها بصوت أعلى.




