
شريف ذهب
يمرّ السودان في هذه المرحلة المفصلية بحالة أقرب إلى “اللا دولة”، حيث تآكلت مؤسسات الدولة الموروثة من الحقبة الاستعمارية حتى بلغت مرحلة العجز شبه الكامل عن أداء وظائفها الأساسية. ولم يعد توصيف هذا الواقع ضرباً من المبالغة، بل حقيقة تتجلى في كل تفاصيل المشهد السياسي والإداري والأمني.
إن الدولة القديمة، التي نشأت في سياقات تاريخية معقّدة، تواجه اليوم لحظة أفولها الأخيرة، بعد أن أنهكتها الحروب المتعاقبة منذ ما قبل الاستقلال، وصولاً إلى الحرب الراهنة التي يبدو أنها ستطوي صفحتها نهائياً، تمهيداً لولادة دولة جديدة تستوفي شروط البقاء والاستقرار.
في هذا السياق، يبرز تحالف “تأسيس” كأحد أبرز المشاريع السياسية التي تعلّق عليها الآمال في إعادة بناء الدولة السودانية، غير أن نجاح هذا المشروع مرهون بمدى إدراك مكوناته لحجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهم. فبناء الدول لا يقوم على الشعارات وحدها، بل على عمل مؤسسي حقيقي يلمسه المواطن ويترجمه الواقع.
لقد أصبحت مؤسسات الدولة القديمة مثقلة بالفساد والمحسوبية، حتى باتت عاجزة عن إصلاح نفسها، مما يجعل من الضروري التفكير في تأسيس بدائل مؤسسية جديدة، تقوم على الكفاءة والنزاهة وتستجيب لمتطلبات الدولة الحديثة.
في المجال العسكري، ظل الجيش بعيداً عن دوره الوطني المفترض، إذ ارتبطت نشأته التاريخية بوظائف تخدم مصالح خارجية أكثر من خدمته للمصلحة الوطنية. وقد انعكس ذلك في تكرار الانقلابات العسكرية وتعثر مسار التحول الديمقراطي. وعليه، فإن بناء جيش وطني مهني، عقيدته حماية الوطن والدستور، يمثل إحدى أولويات مرحلة التأسيس.
أما على صعيد الأمن الداخلي والخدمة المدنية، فإن إعادة البناء تقتضي تفكيك البنى القديمة التي استشرى فيها الفساد، وإعادة تشكيلها وفق معايير مهنية صارمة. ويشمل ذلك إعادة تأهيل الكوادر، ووضع آليات رقابة فعالة، وتطبيق عقوبات رادعة على جرائم الفساد، بما يعيد ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
ولا يمكن إغفال واقع الأجهزة الشرطية التي تعاني من اختلالات عميقة، حيث أصبحت بعض الممارسات غير القانونية جزءاً من السلوك اليومي. وهو ما يستدعي معالجة جذرية تقوم على إعادة الهيكلة والتأهيل، لا مجرد الإصلاح الشكلي.
سياسياً، فإن الدولة التأسيسية المنشودة ينبغي أن تقوم على نظام فيدرالي حقيقي، يتيح للولايات إدارة شؤونها بقدر أكبر من الاستقلالية، ويعالج الاختلالات التاريخية في توزيع السلطة والثروة، مع تعزيز التعليم النوعي المرتبط بخصوصية كل إقليم وموارده.
اقتصادياً، فإن حجم الدمار الذي خلّفته الحرب يتطلب موارد ضخمة لإعادة الإعمار، وهو ما يستدعي شراكة فاعلة مع القطاع الخاص، في بيئة قائمة على الشفافية ومحاربة البيروقراطية والفساد. كما تظل الزراعة بشقيها النباتي والحيواني الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني، شريطة تطويرها عبر التخطيط العلمي، وتبني التقنيات الحديثة، وتعزيز الصناعات التحويلية، ومشاريع حصاد المياه.
إن بناء الدولة ليس مجرد انتقال من واقع إلى آخر، بل هو عملية تأسيس عميقة تتطلب شجاعة في الهدم بقدر ما تتطلب حكمة في البناء. فالدولة الجديدة لن تولد من رحم التمنيات، بل من إرادة سياسية صادقة، وعمل مؤسسي متواصل، ورؤية وطنية جامعة.




