
د. اخلاص قرنق
الحروب لا تقتل الناس بالرصاص وحده، بل تقتلهم بالخيانة أيضاً. والخيانة ليست دائماً أن تفتح أبواب الوطن للأعداء، بل أن ترفع شعارات العدالة باسم الفقراء، ثم تترك الفقراء أنفسهم فريسة للجوع والمرض والتشرد.
ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة حرب، بل مأساة أخلاقية كاملة، وانهيار مدوٍ للضمير الوطني.
لقد وقف المهمشون والجنود والبسطاء خلف هذه الحرب، بعضهم عن قناعة، وبعضهم بدافع الغضب من عقود طويلة من الظلم والتهميش. حملوا أحلاماً كبيرة؛ أن يولد سودان جديد أكثر عدلاً وإنصافاً، وأن يصبح أبناء الغبش شركاء حقيقيين في الوطن.
لكن ماذا كانت النتيجة؟
جنود يتسولون تكاليف العلاج، وأسر قتلى تبحث عن ثمن الخبز، ومواطنون يطاردهم الجوع والنزوح، بينما تنمو طبقة جديدة من الأثرياء على أنقاض وطن محترق.
إنه الثراء الطفيلي الذي يولد دائماً في أزمنة الحروب.
في الماضي، كان المعلم السوداني رمزاً للهيبة والاحترام، وكانت المدرسة الحكومية مصنعاً للوزراء والأطباء والمهندسين والقادة. كانت الخدمة المدنية، رغم كل علاتها، تحافظ على قدر من المهنية والكرامة.
أما اليوم، فقد أصبح المعلم الذي يصنع المستقبل يتقاضى راتباً لا يكفي لإطعام أسرته أياماً معدودة، بينما تنتشر المدارس الخاصة كالفطر، برسوم تفوق قدرة المواطن البسيط بعشرات المرات.
مدارس مكيفة لأبناء القادرين، ومدارس متهالكة لأبناء الفقراء.
تعليم للنخبة… وجهل للفقراء.
طبقية جديدة تتشكل أمام أعيننا، وكأن هذه الحرب لم تقم أصلاً باسم العدالة الاجتماعية.
أين الكهرباء؟
أين المياه؟
أين المستشفيات؟
أين الخدمة المدنية التي كانت تمثل عمود الدولة الفقري؟
لقد انهارت مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخرى، وتحول المواطن إلى مجرد رقم في قوائم الجوع والنزوح.
ثم يأتي السؤال الذي يهرب منه الجميع:
أين أبناء قادة الحرب؟
أين يدرسون؟
هل يجلسون في فصول بلا مقاعد؟ هل يشربون المياه الملوثة؟ هل يقفون في طوابير الخبز؟ هل يموتون بسبب انعدام الدواء؟
أم أنهم يعيشون بعيداً عن كل هذا، في عواصم العالم، ينعمون بالأمن والتعليم والحياة الكريمة؟
إنها المفارقة الأكثر قسوة في تاريخنا الحديث: أبناء الفقراء يموتون في الحروب، بينما أبناء النافذين يراقبون الحرب من خلف الشاشات.
الفقراء يقدمون الدماء…
والأغنياء يحصدون الغنائم.
الشعب يدفع الفاتورة…
والقادة يتنافسون في شراء السيارات الفارهة والقصور والزواج والامتيازات.
أي عدالة هذه؟
وأي ثورة تلك التي تنتهي بإنتاج طبقة جديدة من السادة، بينما يبقى المهمشون في القاع؟
إن الأمم لا تنهار بسبب الفقر وحده، بل تنهار عندما يفقد الناس ثقتهم في العدالة، وعندما يشعر البسطاء بأن تضحياتهم قد سُرقت، وأن أحلامهم تحولت إلى وسيلة لإثراء الآخرين.
إن التاريخ السوداني مليء بالثورات التي التهمت أبناءها، لكن ما يحدث اليوم ينذر بولادة جيل جديد مثقل بالغضب والمرارة والكراهية، جيل يرى بأم عينيه كيف تحولت دماء الضحايا إلى أرصدة، وكيف أصبح الوطن سوقاً مفتوحة للنفوذ والمصالح.
إن السؤال لم يعد: من انتصر في الحرب؟
بل أصبح: من انتفع منها؟
ومن جمع الثروات؟
ومن اشترى العقارات؟
ومن نقل أمواله إلى الخارج بينما ترك الوطن يغرق في الخراب؟
إنها ليست مجرد خيانة سياسية، بل خيانة للضمير الإنساني نفسه.
وإذا لم تتم مراجعة هذا المسار، ومحاسبة الفاسدين، وتفعيل مؤسسات الرقابة ومكافحة المحسوبية والفساد داخل كل مؤسسة، فإن الحرب لن تنتهي حتى لو صمتت البنادق؛ لأن الظلم نفسه سيظل وقوداً لحروب قادمة.
لقد تعب الناس…
وجاع الناس…
وخذل الناس…
ويبقى السؤال معلقاً في ضمير الوطن:
هل كان هذا كل ما يستحقه أبناء الغبش الذين حلموا بالعدالة؟
اللهم إني قد بلغت… اللهم فاشهد




