تقارير وتحقيقات

طهران ومشروع الفوضى: كيف تُشعل إيران المنطقة وتخسر الشعوب؟

تقرير نجم الدين دريسة

 

تقرير نجم الدين دريسة 

في مشهد إقليمي متشابك تتداخل فيه الأبعاد السياسية والأمنية والعقائدية، يبرز الدور الإيراني بوصفه أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، ليس فقط بسبب طبيعته التوسعية، بل أيضاً لما يحمله من تناقضات عميقة بين الخطاب والممارسة. وبينما ترفع طهران شعارات دينية وسياسية تدّعي من خلالها الدفاع عن قضايا الأمة، تتزايد الاتهامات لها بأنها تسهم عملياً في زعزعة استقرار المنطقة وإطالة أمد الصراعات.

🔴 نفوذ يتمدد على حساب الاستقرار

منذ سنوات، عملت إيران على بناء شبكة نفوذ واسعة خارج حدودها، مستندة إلى دعم جماعات مسلحة في عدد من الدول. هذا التمدد لم يكن بريئاً أو عفوياً، بل جاء ضمن استراتيجية تهدف إلى خلق توازنات جديدة في الإقليم، تمنحها أوراق ضغط متعددة.

غير أن هذا النفوذ، بدل أن يسهم في تحقيق الاستقرار، أدى إلى تعقيد المشهد الإقليمي. فالدول التي شهدت تدخلاً إيرانياً مباشرًا أو غير مباشر، وجدت نفسها أمام أزمات ممتدة، تتغذى على الانقسامات الداخلية وتتحول إلى صراعات مفتوحة.

🔴 الخليج في مرمى التصعيد

برزت دولة الإمارات العربية المتحدة في مقدمة الدول التي واجهت تداعيات السياسات الإيرانية، حيث تعرضت لتهديدات وهجمات عكست طبيعة الصراع غير التقليدي الذي تتبناه طهران. كما ظلت المملكة العربية السعودية هدفاً متكرراً لاعتداءات عبر وكلاء إقليميين، في مؤشر واضح على نمط من المواجهة غير المباشرة.

هذه الهجمات لم تكن مجرد أحداث معزولة، بل جزء من سياق أوسع يعكس توجهاً قائماً على اختبار حدود الردع، وفرض معادلات جديدة بالقوة. وهو ما دفع دول الخليج إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وتكثيف تعاونها الأمني لمواجهة هذه التحديات.

🔴 شعارات دينية وواقع متناقض

من أكثر النقاط إثارة للجدل في السياسة الإيرانية، هو استخدامها للخطاب الديني كغطاء لتحركاتها السياسية والعسكرية. فبينما ترفع شعارات الدفاع عن الإسلام والمسلمين، تشير الوقائع إلى أن تدخلاتها ساهمت في تأجيج النزاعات داخل مجتمعات مسلمة، وأدت إلى سقوط آلاف الضحايا.

هذا التناقض بين الشعار والممارسة أضعف مصداقية الخطاب الإيراني، وفتح الباب أمام انتقادات واسعة، ترى أن طهران لم تقدم نموذجاً إيجابياً يمكن الاحتذاء به، بل أسهمت في تشويه صورة الإسلام عبر ربطه بالعنف والصراعات.

🔴 إيران كخصم واسع في نظر الشعوب

لم تعد النظرة إلى إيران محصورة في إطار الخلافات بين الحكومات، بل امتدت لتشمل قطاعات واسعة من الشعوب التي عانت من تداعيات الصراعات المرتبطة بسياساتها. ففي العديد من الدول، يُنظر إلى الدور الإيراني باعتباره عاملاً رئيسياً في إطالة أمد الأزمات، وليس في حلها.

هذا التحول في المزاج الشعبي يعكس فجوة متزايدة بين طهران ومحيطها، حيث لم يعد خطابها يجد القبول ذاته، في ظل واقع يراه كثيرون مليئاً بالتناقضات.

🔴 تهديد مباشر للسلم والأمن الإقليمي

لا تقف تداعيات السياسات الإيرانية عند حدود النزاعات المحلية، بل تمتد لتشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الإقليمي. فالتوترات في الممرات المائية الحيوية، والتصعيد المتكرر، كلها عوامل تضع المنطقة على حافة مواجهة أوسع.

كما أن استخدام أدوات غير تقليدية، مثل الجماعات المسلحة، يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل من الصعب احتواء الأزمات عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية.

🔴 العزلة الدولية تتعمق

في ظل هذه السياسات، تواجه إيران تحديات متزايدة على المستوى الدولي. فالتصعيد المستمر، ورفض الالتزام بقواعد القانون الدولي، أسهما في تآكل الثقة بها، ودفعا العديد من الدول إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدداً.

وقد انعكس ذلك في دعم دولي متزايد لمواقف تدعو إلى وقف هذه السياسات، ومحاسبة الجهات التي تقف وراءها، في محاولة لإعادة التوازن إلى المشهد الإقليمي.

🔴 إلى أين تتجه المنطقة؟

يبقى السؤال الأهم: إلى أين تمضي المنطقة في ظل هذا التصعيد؟ فاستمرار السياسات القائمة على تصدير الأزمات وإشعال بؤر التوتر، لن يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار، ويهدد بإدخال المنطقة في دوامة من الصراعات المفتوحة.

في المقابل، تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة تقوم على احترام سيادة الدول، والابتعاد عن سياسات التدخل، والعمل على بناء منظومة تعاون إقليمي قادرة على مواجهة التحديات المشتركة.

في النهاية، فإن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق إلا عبر مراجعة جادة للسياسات التي أثبتت فشلها، والانتقال نحو نهج يعلي من قيمة السلام والتنمية. وبينما تستمر بعض الأطراف في الرهان على الفوضى، يبقى الأمل معقوداً على وعي إقليمي ودولي قادر على كبح هذا المسار، وإعادة رسم ملامح مستقبل أكثر استقراراً للمنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!