رأي

تكريم الفنانة الأم حليمة ساسا… تكريم للمرأة الدارفورية

د. فاطمة الزين الغالي

 

 د. فاطمة الزين الغالي

في الثامن من مارس من كل عام يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للمرأة، ذلك اليوم الذي لا يمثل مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل محطة إنسانية كبرى لتجديد الاعتراف بدور المرأة في بناء المجتمعات وصناعة التاريخ والدفاع عن القيم النبيلة. وفي سياق السودان، تكتسب هذه المناسبة أبعادًا أعمق، إذ تقترن سيرة المرأة السودانية – ولا سيما المرأة في دارفور – بملحمة طويلة من الصبر والصمود والمشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فضلاً عن دورها الحيوي في ترسيخ قيم السلم الأهلي والتماسك المجتمعي في أحلك الظروف.

وفي هذا السياق الرمزي الدال، أطلقت الفنانة الأم حليمة ساسا عبر منصتها في تطبيق تيك توك رسالة صادقة إلى أبناء السودان عامة، وإلى أهل دارفور على وجه الخصوص، دعت فيها إلى ضرورة ترسيخ السلام وتعزيز الأمن في مدينة الفاشر، المدينة التي خرجت لتوها من أتون معركة قاسية استمرت لما يقارب العامين، وخلّفت آثاراً عميقة على المجتمع والإنسان والبنية الاجتماعية.

لم تكن رسالة حليمة ساسا مجرد خطاب عاطفي عابر، بل جاءت محمّلة بصدق التجربة وعمق الانتماء، فلامست وجدان السودانيين، وأعادت التذكير بالدور الثقافي والفني في صناعة السلام وإعادة ترميم الوعي الجمعي. وقد وجدت هذه الرسالة صدى واسعاً لدى رواد منصات التواصل الاجتماعي والناشطين السياسيين والإعلاميين، فضلاً عن قيادات حكومة الوحدة والسلام، الذين رأوا فيها نموذجاً حياً للدور الوطني الذي يمكن أن تضطلع به النخب الثقافية والفنية في لحظات التحول التاريخي.

وفي لفتة تحمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة، تلقّف القائد محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي وقائد قوات تأسيس، رسالة الفنانة الأم حليمة ساسا، حيث بادر بالتواصل معها شخصياً، مثمّناً ما حملته كلماتها من روح وطنية صادقة، ومعبراً عن تقديره لدورها كقامة فنية واجتماعية تسهم في تعزيز السلام والاستقرار والأمن الاجتماعي. ولم يقف الأمر عند حدود الإشادة المعنوية، بل تعهد القائد دقلو بوضع رسالتها موضع الاعتبار، وأصدر توجيهاته بتكريمها فوراً تقديراً لمبادرتها الوطنية.

هذا التكريم لم يُقرأ في إطاره الشخصي الضيق، بل اعتبره كثير من المراقبين تكريماً رمزياً للمرأة الدارفورية بأسرها، تلك المرأة التي ظلت عبر التاريخ سنداً للوطن وركيزة للاستقرار الاجتماعي. فالمرأة في دارفور ليست مجرد عنصر في النسيج الاجتماعي، بل هي عماد الأسرة، وحارسة التقاليد، وشريكة حقيقية في النشاط الاقتصادي، سواء في الزراعة أو التجارة أو الحرف اليدوية، فضلاً عن دورها التاريخي في فض النزاعات المحلية وترسيخ قيم التعايش السلمي بين المكونات المجتمعية.

لقد لعبت المرأة الدارفورية، على مدى عقود طويلة، أدواراً محورية في بناء المجتمع وحماية تماسكه في مواجهة الأزمات. ففي زمن السلم كانت حاضرة في ميادين الإنتاج والتعليم والعمل الاجتماعي، وفي زمن الحرب تحولت إلى قوة صبر وعطاء، تحافظ على بقاء الأسرة وتماسك المجتمع رغم قسوة الظروف. ولذلك فإن تكريم الفنانة الأم حليمة ساسا يتجاوز حدود الاحتفاء بفنانة أو شخصية عامة، ليصبح اعترافاً رمزياً بإسهامات المرأة الدارفورية في مسيرة الصمود الوطني.

كما أن هذه المبادرة تحمل رسالة سياسية واجتماعية مهمة، مفادها أن صناعة السلام ليست مهمة الساسة وحدهم، بل هي عملية مجتمعية شاملة تشارك فيها القوى الثقافية والفنية والإعلامية، جنباً إلى جنب مع القيادات السياسية والعسكرية. فالفن، في جوهره، ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو أداة مؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي، وإحياء قيم التسامح والتعايش، وإعادة بناء الجسور بين المجتمعات التي أنهكتها الحروب.

ويرى عدد من المراقبين أن تكريم الفنانة الأم حليمة ساسا يعكس أيضاً جانباً من شخصية القائد محمد حمدان دقلو، الذي يُنظر إليه باعتباره قائداً يتابع الشأن العام بتفاصيله الاجتماعية والثقافية، إلى جانب اهتمامه بالقضايا العسكرية والسياسية. فالتفاعل مع رسالة اجتماعية إنسانية، والاستجابة لها بهذا القدر من التقدير، يعكس إدراكاً لأهمية القوة الناعمة في ترسيخ السلام وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

وفي النهاية، يمكن القول إن تكريم الفنانة الأم حليمة ساسا يمثل لحظة رمزية لافتة في سياق السودان الراهن؛ لحظة تتقاطع فيها قيم الفن مع نداءات السلام، ويتجسد فيها الاعتراف بالدور التاريخي للمرأة الدارفورية في صون المجتمع وحماية وحدته. إنها رسالة مفادها أن طريق السلام لا يُبنى بالسلاح وحده، بل بالكلمة الصادقة، والمبادرة النبيلة، والاعتراف المستحق بمن حملوا همّ الوطن في أصعب مراحله.

وهكذا، فإن تكريم حليمة ساسا ليس تكريماً لشخصها فحسب، بل هو تحية مستحقة لكل امرأة دارفورية ظلّت – بصبرها وعطائها – إحدى الركائز الصلبة التي يستند إليها الأمل في مستقبل أكثر أمناً وسلاماً للسودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!