رأي

الثورة التي تأكل أبناءها: حين يتحول التأسيس إلى مسرح للشلليات

دكتورة اخلاص قرنق

 

 دكتورة اخلاص قرنق

كاتبة وباحثة حقوقية

16/4/2026

حيدر آباد الهند

لم تعد استقالة الدكتور عبدالباقي شحتو مجرد خبر عابر في شريط الأحداث، ولا موقفًا شخصيًا يمكن احتواؤه ببيان باهت أو تبرير إداري مستهلك. ما حدث هو صفعة سياسية مدوية، تكشف أن مشروع “التأسيس” نفسه بدأ ينحرف عن مساره، وأن الثورة التي حلم بها الناس كأفق للعدالة والكرامة، تُختطف اليوم من داخلها  لا من أعدائها.

نعم، ما يجري أخطر بكثير من مجرد خلاف حول ترشيحات أو إجراءات تنظيمية. نحن أمام إعادة إنتاج فجّة لنفس العقلية التي ثار عليها الشعب: عقلية الشلليات، المحاصصات، وتركيز القرار في أيدي قلة تتصرف وكأنها مالكة للمشروع، لا مؤتمنة عليه.

كيف يمكن لتحالف يدّعي تفكيك دولة التمكين أن يعيد بناءها بنفس الأدوات؟

كيف يمكن لمن يتحدث عن العدالة أن يمارس الإقصاء؟

وكيف لمن يرفع شعار المؤسسية أن يدير قراراته في غرف مغلقة؟

ما يحدث ليس خطأ عابرًا  بل نمط يتكرس.

استقالة الدكتور شحتو لم تكن انسحابًا، بل كانت موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا عالي السقف، يفضح هذا الانحراف بوضوح. فهي تقول ببساطة: لا يمكن أن نبني عدالة بأدوات فاسدة، ولا أن نؤسس لاستقلال القضاء عبر قرارات مسيّسة ومحتكرة.

الأزمة الحقيقية ليست فقط في الأشخاص، بل في البنية.

في مشروع دستور يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة بلا ضوابط حقيقية، وفي تحالف سياسي يتقاطع فيه التنظيمي مع التنفيذي ليصنع مركز قرار غير خاضع للمساءلة.

هذا ليس تأسيسًا… هذا تمهيد لاستبداد جديد.

والأخطر من ذلك، أن نفس الأمراض القديمة  الجهوية، العنصرية، والاحتكار  تعود بوجه جديد، وكأننا لم نتعلم شيئًا من تاريخنا. كأن الثورة لم تكن سوى محطة عابرة، لا لحظة وعي جماعي.

لقد أصبحت “حكومة التأسيس” — بكل أسف — كالقطة التي تأكل أبناءها.

تقصي الكفاءات، وتكافئ الولاءات، وتضيق على الأصوات الحرة، حتى بات الشرف السياسي نفسه عبئًا على من يحمله.

ما المطلوب الآن؟

ليس بيانات تبرير، ولا محاولات تجميل، بل مواجهة حقيقية مع الذات:

• فتح ملف الترشيحات بشفافية كاملة، بلا استثناءات ولا مجاملات.

• إنهاء احتكار القرار، وكسر سطوة الدوائر الضيقة.

• مراجعة مشروع الدستور الانتقالي، ووضع قيود حقيقية على السلطة التنفيذية.

• إنشاء لجنة سياسية مستقلة تمثل ضمير التحالف، لا ذيله.

• إعادة الاعتبار لمبدأ المشاركة، قبل أن يتحول التحالف إلى نادٍ مغلق.

هذه ليست رفاهية سياسية… بل شرط بقاء.

لأن الحقيقة القاسية هي:

إذا لم تُحسم هذه الانحرافات الآن، فإن مشروع التأسيس سيتحول إلى نسخة مشوهة من النظام الذي خرج الناس لإسقاطه.

استقالة الدكتور عبدالباقي شحتو ليست نهاية — بل بداية مواجهة.

إما أن ينتصر المشروع لقيمه، أو يُبتلع بالكامل داخل نفس المستنقع الذي ادعى أنه جاء لتجفيفه.

والثورات لا تموت فقط بالقمع…

بل تموت أيضًا حين يخونها أبناؤها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!