رأي

سكاي نيوز عربية”: المطرقة الإعلامية التي تفكك “البنية العميقة” للجماعة

عمار نجم الدين

 

 عمار نجم الدين

لقد جرت رياح التقصي بما لا تشتهيه سفن التنظيم، وهتكت أضواء النقد حجب الظلام التي تدثرت بها الهياكل السرية عقوداً من الزمن، حتى استبان للرائي أن ما كان يُظن صرحاً مشيداً ليس إلا هباءً تذروه رياح الحقائق. لم يعد السؤال الملحّ في الإقليم اليوم هو: هل يوجد تنظيم؟ بل: كيف يعمل.. وأين يختبئ.. وكيف يعيد إنتاج نفسه كلما اعتُقد أنه انتهى؟ في هذا التحول المفصلي، لم تعد المواجهة مع تنظيم الإخوان المسلمين صراعاً تقليدياً بين دولة وجماعة، بل أصبحت مواجهة مع “بنية مرنة” تعيد تشكيل أدواتها وفق الجغرافيا، وتُخفي مراكز ثقلها خلف واجهات مدنية وإعلامية ومالية معقدة. وهنا تحديداً، برز دور “سكاي نيوز عربية”، لا كمنصة لنقل الخبر العابر، بل كأداة تفكيك سردي واستقصائي لنمط جديد من التهديدات العابرة للحدود، وهو ما جعلها في مرمى نيران “غرف العمليات المضادة”.

انتقلت التغطية الإعلامية للشبكة من “مستوى الحدث” إلى “مستوى البنية”؛ حيث نجحت القناة خلال السنوات الأخيرة في بناء خريطة ارتباطات دقيقة عبر ما يمكن تسميته “المعلومة المتقاطعة”. فقد ربطت التحركات المالية بالمنصات الإعلامية، والخطاب الحقوقي بالامتدادات التنظيمية الميدانية، وصولاً إلى كشف خيوط الفوضى في ساحات النزاع، حتى صار الباطل لجلجاً والحق أبلجاً في تعرية تلك الروابط الخفية. هذا الربط هو ما جعل السردية التقليدية للتنظيم تبدأ في التآكل، لأن أخطر ما يواجه أي تنظيم سري ليس الهزيمة العسكرية فحسب، بل فقدان القدرة على التحكم في “صورته الذهنية” أمام الجماهير والدوائر السياسية الدولية.

في الخرطوم، كانت القناة “العدو اللدود” الذي كشف عورات النظام الإخواني السابق، واستمرت المعركة حتى مارس 2026، حيث واكبت بضراوة قرار تصنيف “إخوان السودان” تنظيماً إرهابياً في 10 مارس 2026. ورداً على كشفها لسيطرة “الحركة الإسلامية” على القرار العسكري عبر تسريبات القيادي “عثمان كبر” في 2024، شن الإعلام الإخواني حملات مسعورة لاتهام القناة بـ “تبييض صورة الخصوم”، في محاولة لتعمية الرأي العام عن الحقائق الميدانية الصادمة التي أثبتت تورط التنظيم في إشعال الحروب لضمان البقاء؛ فما هي إلا صيحة واحدة حتى تهاوت حصون الزيف المنيعة تحت مطارق الكشف الإعلامي الرصين.

أما في الملف الليبي، فقد تجاوزت القناة القشور السياسية لتغوص في عمق “البنية الميليشياوية”، حيث كشفت في مايو 2025 زيف التموضع السياسي لحكومة الدبيبة، وفككت السردية التي حاولت تصوير الجماعة كطرف “مدني” محايد. لقد نجحت التغطية في تعرية التحالف العضوي بين مكاتب طرابلس والكتائب المسلحة، كاشفةً كيف يُستخدم الغطاء السياسي لشرعنة نهب الموارد الوطنية وتثبيت أركان الفوضى. وبدلاً من الاكتفاء برصد الصراع، قدمت القناة تحليلاً بنيوياً لكيفية تحول “الوزارة” إلى واجهة “للتنظيم”، وهو ما جعل الرائد لا يكذب أهله في نقل تفاصيل التغول المالي الذي يغذي آلة الحرب، مما عرض طواقمها لمضايقات ممنهجة تهدف لإعادة ملف ليبيا إلى غياهب التعتيم.

إن هذه الحملات المضادة هي في حقيقتها “شهادة كفاءة”؛ فالتنظيم لا يهاجم بضراوة إلا من ينجح في اختراق بنيته السرية، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت بعد أن حاصرتهم عين الكاميرا في أدق تفاصيل تدبيرهم. لقد كسبت “سكاي نيوز عربية” معركة الوعي في عام 2026، محولةً التنظيم من قوة “تمكين” مفترضة إلى مجرد “ظواهر صوتية” تهاجم الشاشات التي كشفت عورتها السياسية والمالية أمام الضوء. لقد ولى زمن العمل في الظل، فما كان يُقدَّم كخطاب دعوي، أصبح اليوم يُفكك كشبكة تهديد للأمن القومي العربي تستوجب الملاحقة لا الحوار، وهو ما يفسر العداء الوجودي الذي تكنّه الجماعة لهذه المنصة التي وضعت النقاط على الحروف وحولت ملفهم من قضية رأي إلى ملف أمني وقضائي بامتياز.

عمار .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!