رأي

الصعوبات الأمنية الأخطر التي تواجه حكومة الوحدة والسلام في السودان، وكيفية التصدي لها

الخبير الأمني مجدي شريف

تواجه حكومة الوحدة والسلام في السودان جملة من التحديات الأمنية المعقدة التي تمثل أكبر تهديد لمسار التأسيس الوطني والتحول الديمقراطي. فالأمن هو الشرط الأول لبناء أي عملية سياسية أو اقتصادية مستقرة، وهو أيضاً نقطة الضعف التي عادة ما تقوض مشاريع الانتقال في الدول الخارجة من النزاعات. وفي الحالة السودانية، تتداخل العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية في رسم مشهد أمني بالغ التعقيد، تتصدره ظاهرة تعدد الجيوش وانتشار السلاح وضعف الثقة بين الفاعلين العسكريين والمدنيين، إلى جانب التوترات القبلية والحدودية والإرهاب العابر للحدود، وهي تحديات لا يمكن التصدي لها إلا برؤية شاملة تتكئ على التجارب الحديثة وتراكم الخبرات العالمية.

إن تعدد الجيوش يمثل التحدي الأخطر والأكثر إلحاحاً، حيث يقف السودان أمام واقع يتمثل في وجود قوات الدعم السريع وفصائل الحركات المسلحة والحركة الشعبية شمال،وهي تشكيلات ربما تحمل أجندات جهوية وسياسية متباينة، فضلاً عن المليشيات المحلية. هذا التشظي يقوض وحدة القرار العسكري ويجعل الدولة مهددة بانهيارات متكررة. التجارب المقارنة تشير إلى أن نجاح عملية دمج القوات العسكرية يتطلب مقاربة تدريجية تزاوج بين الإصلاح الهيكلي والبعد السياسي، كما حدث في جنوب إفريقيا بعد نهاية الفصل العنصري، حيث جرى دمج قوات التحرير الشعبية وقوات الدولة السابقة في جيش واحد يقوم على عقيدة جديدة. أما في النيبال فقد اعتمد الدمج على معايير مهنية واضحة وبرامج تدريب مشتركة ضمنت تحول المقاتلين السابقين إلى عناصر مندمجة في مؤسسة وطنية جامعة.
وإلى جانب مشكلة التعدد العسكري، يعاني السودان من الانتشار الواسع للسلاح بين المكونات القبلية والمجتمعات المحلية، وهو ما يذكي النزاعات الأهلية ويضعف احتكار الدولة لاستخدام القوة. هذه الظاهرة ليست جديدة على تجارب ما بعد الحرب، فقد واجهت سيراليون وليبيريا وضعاً مشابهاً في تسعينيات القرن الماضي، وتم التغلب عليه عبر برامج لجمع السلاح مصحوبة ببدائل اقتصادية مثل التدريب المهني والمشاريع الصغيرة التي أمنت للمقاتلين السابقين مصدراً للعيش، مما حدّ من العودة إلى حمل السلاح. في السياق السوداني، لن تنجح أي خطة لنزع السلاح دون توفير شبكات حماية اقتصادية وأمنية للمجتمعات التي ظلت تعتمد على السلاح كوسيلة للبقاء والدفاع الذاتي.

ومن التحديات البنيوية كذلك ضعف الثقة بين المكونات العسكرية والمدنية عموما، إذ أن تاريخ السودان السياسي ظل مشبعاً بمحاولات الإقصاء والانقلابات العسكرية، مما ولّد شكوكاً متبادلة بين الطرفين. كما ان معالجة هذه المعضلة تحتاج إلى آليات حوار أمني – مدني شاملة تضع تصوراً مشتركاً لإصلاح المنظومة الأمنية. تجربة تونس بعد ثورة 2011 تقدم مثالاً معبراً حيث أُنشئت منصات للحوار بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وأدت إلى توافق حول إصلاح القطاع الأمني ومنع تسييسه. هذا النموذج يمكن أن يستفاد منه في السودان عبر خلق مؤسسات مشتركة للرقابة والشفافية في إدارة العملية الأمنية.
كذلك فإن وتزايد التوترات القبلية والعرقية المسلحة بوصفها تحدياً آخر، خاصة في دارفور وكردفان والشرق، حيث تداخلت الهويات المحلية مع التسليح والسياسة لتنتج صراعات متجددة. وفي ذلك تشير التجربة الرواندية بعد الإبادة الجماعية عام 1994 الى أن المصالحة المجتمعية المدعومة ببرامج العدالة الانتقالية ونشر قوات شرطة مجتمعية مدربة على إدارة التنوع يمكن أن تخلق بيئة جديدة أكثر استقراراً. السودان بدوره يحتاج إلى آليات مصالحة محلية تحظى بدعم وطني ودولي، وتستهدف إعادة بناء النسيج الاجتماعي الذي تمزق بفعل الحروب.

أما بالنسبة لهشاشة الحدود السودانية فإنها تضيف بعداً إقليمياً للتحديات الأمنية، إذ أن طول الحدود مع دول مضطربة مثل تشاد وليبيا وجنوب السودان يجعل البلاد عرضة لتدفقات السلاح والمتمردين وعمليات التهريب. في هذا الصدد أظهرت تجارب دول الساحل مثل النيجر ونيجيريا أن التعاون الإقليمي في مراقبة الحدود، مدعوماً بتكنولوجيا المراقبة الحديثة والبعثات المشتركة، يمكن أن يقلل من المخاطر العابرة للحدود. بالنسبة للسودان، فإن التعاون مع الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيقاد يشكل مدخلاً ضرورياً لتأمين الحدود وقطع الطريق أمام التدخلات الخارجية.
ولا يقل خطورة عن ذلك ضعف القدرات الاستخبارية والأمنية المؤسسية التي عانت من التسييس والاختراق والانقسامات، ما جعلها عاجزة عن التنبؤ بالتهديدات أو إدارتها بكفاءة. إن إعادة بناء هذه الأجهزة يتطلب إعادة هيكلتها على أسس مهنية، وإعادة تدريب الكوادر وفق المعايير الحديثة، مع تعزيز نظم المعلومات الوطنية. بعض الدول مثل البوسنة والهرسك نجحت في بناء أجهزة أمنية جديدة بمساعدة الاتحاد الأوروبي عبر برامج إصلاح متكاملة، وهو مسار يمكن للسودان أن يستلهمه مع مراعاة خصوصيته.
ويظل خطر الإرهاب والتطرف العابر للحدود ماثلاً، حيث يجعل الموقع الجغرافي للسودان منه منطقة جذب للجماعات المتطرفة في ظل هشاشة الدولة. وقد نجحت تجارب مثل نيجيريا بعد صعود “بوكو حرام” في تطوير مقاربات شاملة لمكافحة التطرف العنيف، لم تقتصر على الجانب الأمني وإنما شملت التعليم والتوظيف والإعلام وبرامج إعادة تأهيل المقاتلين. مثل هذه الرؤية المتعددة الأبعاد ضرورية في السودان حتى لا يتحول إلى ملاذ جديد للجماعات الإرهابية.
أخيراً، فإن العدالة الانتقالية تمثل تحدياً أمنياً وسياسياً في آن واحد، إذ أن الإفلات من العقاب على الجرائم الكبرى يعمق مشاعر الظلم ويغذي النزاعات. تجارب لجان الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا أو كولومبيا أظهرت أن الاعتراف بالجرائم ورد الحقوق والمساءلة يمكن أن يفتح الطريق أمام مصالحة مستدامة. ولذلك تحتاج السودان إلى آلية عدالة انتقالية توازن بين محاسبة مرتكبي الجرائم وضمان الاستقرار، بما يعزز ثقة المجتمعات المحلية في الدولة ويقلل من احتمالات العودة إلى العنف.

إن قراءة هذه التحديات الأمنية في ضوء التجارب العالمية تبرز أن الحلول ليست مستحيلة لكنها مشروطة بإرادة سياسية واضحة ورؤية متكاملة تتبنى الإصلاح الشامل لا الجزئي، وتجمع بين إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية من جهة، ومعالجة جذور النزاعات الاجتماعية والاقتصادية من جهة أخرى. السودان اليوم أمام مفترق طرق؛ إما أن ينجح في تحويل التعددية العسكرية إلى جيش وطني جامع قادر على حماية وحدة البلاد، أو أن يبقى رهين الانقسامات التي ستعيد إنتاج دورات الحرب. لذلك فإن حكومة الوحدة والسلام مطالبة بتبني مقاربة شاملة تضع الأمن كأولوية أولى لمسار التأسيس، وتستند في ذلك إلى الدروس المستخلصة من تجارب الأمم التي مرت بظروف مشابهة ونجحت في العبور إلى الاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!