رأي

الحزب الشيوعي: من ضمير الفقراء إلى هامش السياسة ((في السياسة، لا تموت الأحزاب حين تُهزم…بل حين يتجاوزها الزمن))

د.احمد التجاني سيد أحمد

 

د.احمد التجاني سيد أحمد 

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

عندما دخلت الشيوعية إلى بلاد المسلمين، لم تأتِ كفكرة مجردة، بل جاءت كحلم أخلاقي كبير. حلم بالمساواة، ورفع الظلم عن الفقراء، وكسر احتكار الثروة والسلطة. في السودان، وجد هذا الخطاب صدىً واسعًا، خاصة وسط العمال والمزارعين والطلاب.

لكن التجربة الإنسانية تُعلّمنا أن الفكرة العادلة لا تضمن نظامًا عادلًا. ففي الاتحاد السوفيتي، نشأت طبقة حزبية احتكرت القرار والثروة. ومع انهياره، ظهرت طبقة الأوليغارش التي ورثت النفوذ.

في السودان، تميز الحزب الشيوعي بدوره في الدفاع عن الفقراء والنقابات والوعي التنويري، دون أن يتحول إلى طبقة حاكمة.

غير أن علاقته بالسلطة كانت مربكة، خاصة في تجربة نميري وانقلاب 1971، حيث لم يحسم موقعه بين التغيير الجماهيري والسعي للسلطة.

ومنذ ذلك الحين بدأ التراجع التدريجي. ولم يكن تراجع الدور الثقافي حدثًا عارضًا، بل نتيجة الثورة الإسفيرية، وتوسع الميديا، وصعود الذكاء الاصطناعي، التي أعادت تشكيل إنتاج الوعي.

كان الحزب في الماضي مصنعًا للأفكار، أما اليوم فقد انحسر حضوره — إلى حدود ضيقة — في الجامعات والنقابات والإنتاج الفكري، تحت ضغط التحولات الكبرى. ثم جاء انقلاب البرهان وما تلاه من حرب أبريل ٢٠٢٣ ليُعمّق الانهيار، مخلّفًا دمارًا مؤسسيًا وتواصليًا وفكريًا دفع بالحزب أكثر إلى الهامش.

كما فقد الاتصال بالأجيال الجديدة، ودخل في تحالفات متناقضة، وظهر مترددًا في لحظات حاسمة.

لم ينتهِ الحزب، لكنه لم يعد لاعبًا مركزيًا..

المشكلة لم تكن يومًا في الفكرة…

بل في من لم يستطع أن يطوّرها.

وهكذا، لا يُهزم الحزب حين يخسر المعركة،

بل حين يفقد القدرة على خوضها.

 

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

قيادي و مؤسس في تحالف تاسيس

التاريخ: ٢١ مارس ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!