رأي

لأجل تحويل مخيمات النزوح من الإيواء إلي قرى مُنتجة “فلا بد من يدٌ تعمل وكرامةٌ تُصان”

مهدي عبدالله حامد

 

مهدي عبدالله يحي 

تقول حكمة أهالينا ” إنَّ الذي يزرع بيده، لا تجوع بطنهُ والذي يعمل بعرقهِ لا يحتاج لغيره” وهي حكمة لخصت فلسفة الوجود والكرامة التي صاغتها الطبيعة القاسية والظروف الاستثنائية قبل أن تصيغها السياسة ، باعتبار أن الروح التي تقدس العمل هي التي نحتاجها اليوم ، فليس من العدل والمنطق أن نترك ملايين العقول والأيدي المعطاءة أسيرة لانتظار “صناديق المساعدات” فالانتظار يقتل الروح قبل أن يُنهك الجسد ، وبالنظر إلي ما يمر به السُّودان اليوم والذي يشهد أكبر عملية نزوح في تاريخه بسبب الحرب وتوابعها الناجمة عن ذلك ، مثل الأمراض والجوع والعطش.

فإننا نقف أمام اختبار قاسٍ يفوق القدرة على الصمود في وجه إعصار الأزمة الإنسانية الحالية التي هجرت الملايين ، ووضعت البلاد أمام واقع يتطلب بصيرة نافذة ترى أبعد من رغيف الخبز والغطاء ، فيقول المثل العالمي الشهير “لا تطعمني سمكة، ولكن علمني كيف أصطاد السمك” وهذا هو المبدأ الذي يجب أن يحكم توجهنا في هذه المرحلة الحرجة ، إذ إنّ الاكتفاء بتقديم المعونات المؤقتة في مراكز الإيواء المكتظة هو بمثابة تخدير لموضع الألم دون علاجه ، فواجبنا الأخلاقي والإنساني يحتم علينا الانتقال من عقلية “الاستهلاك الاضطراري” إلى عقلية “الإنتاج الاختياري” فالإنسان السُّوداني، الذي عرفه التاريخ بالأنفة والارتباط بالأرض، لا يرضى أن يظل يدًا سفلى يتلقى المعونات وينتظر ما تجود به المنظمات ، بل يتوق لاستعادة دوره كمساهم في عجلة الحياة.

وكما إنَّ إدارة أزمة النزوح في ظل الوضع الجاري الآن تستوجب نظرة سياسية واقتصادية متكاملة تضع “حكومة تأسيس” أمام مسؤوليتها التاريخية ، حيث ان الواقع الإنساني المرير الذي يعيشه أهلنا في دور الإيواء والخيام يفرض التحرك فورًا نحو تشبيك الإمكانيات المحلية المتاحة مع المساهمات الدولية لإنشاء “قرى منتجة” وهذه القرى ليست سكن بديل فقط ، وإنما هي منظومات اقتصادية متكاملة تُهيأ فيها الظروف المواتية للزراعة ، والصناعات التحويلية الصغيرة، والتجارة البينية.

وهنا يجب أن نُدرك أن استبقاء النازحين في حالة من العطالة والانتظار يقتل روح المبادرة لديهم ويزيد من عبء الدولة والمجتمع ، ولذلك، فإن الضرورة تقتضي تمليك هؤلاء المتضررين أدوات الإنتاج ، فالمزارع قادر أن يحيل المساحات المتاحة في مناطق النزوح الآمنة إلى واحات خضراء إذا ما توفرت له البذور والتقنيات والتمويل البسيط ، باعتبار أن ربط المجهود الإنساني بالتنمية المستدامة هو المخرج الوحيد الذي يضمن الكرامة الإنسانية ، وفي نفس الوقت هذه القرى المنتجة ستعمل كمصدات اقتصادية تمنع انهيار الأسواق المحلية وتساهم في توفير الأمن الغذائي للجميع ، باعتبار إن الحصافة السياسية تقتضي أن نتعامل مع النازح كشريك في البناء ، لا كضحية تنتظر العون ، بيد أن تحويل مراكز الإيواء إلى قرى منتجة هو القرار التاريخي الذي سيعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة ، وهذا الوضع يتطلب مرونة في التشريعات وتسهيلات في تخصيص الأراضي وتوجيه الدعم الدولي نحو المشاريع المدرة للدخل بدلًا من السلال الغذائية التي تنتهي بانتهاء وجبتها .

إنها دعوة للتحرر من قيود الحاجة إلى رحابة الإنتاج ، ولنجعل من صرخة الوجع السودانية لحنًا للبناء والإعمار ، ولنتذكر دائمًا أن اليد التي تزرع لا يمكن أن تكسر ، وأن الشعب الذي يستمد قوته من أرضه لن يهزم أبدًا ، إنها أمانة الأخلاق ، وحتمية التاريخ، وقصة شعب قرر أن ينهض من بين الركام ليزرع المجد في كل شبر من أرضه الطاهرة ، فلتكن هذه القرى هي المنارة التي تضيء ليل النازحين وتبشر بفجر جديد من السيادة والرفاه.

فإنّ التاريخ لا يرحم الذين يكتفون برصد المأساة دون محاولة تغيير مسارها ، إننا نقف على أعتاب مرحلة تتطلب شجاعة في القرار وحكمة في التنفيذ ، فيجب أن يتحول أنين النازحين إلى أهازيج عمل ، ودموع الفقد إلى عرق بناء لان بناء “القرى المنتجة” هو بمثابة بعث جديد للإنسان السوداني ، وهو الرد الأمثل على كل من أراد إطفاء جذوة الأمل في نفوسنا، فلتكن هذه المبادرة صرخة في وادي الصمت ، ومنارة تهدي الحائرين نحو بر الأمان الاقتصادي والاجتماعي ، إننا، وبالإيمان الراسخ بقدرة شعبنا ، ندرك أن الأرض التي أنبتت الحضارات قادرة على إنبات القمح والدخن والذرة بعزة وكرامة في كل شبر يطأهُ نازح يحمل في قلبه حب الوطن وفي يده معول الإنتاج ، إنها دعوة للعمل ، للسيادة، وللحياة التي لا تقبل الانكسار ، فالحكمة تقول “من وضع يده على المحراث، لا ينظر إلى الخلف” ونحن اليوم نضع أيدينا على محراث المستقبل لنبني سودانا يسع الجميع بإنتاجهم وعزتهم، ولتكون هذه الأزمة، على مرارتها، نقطة انطلاق نحو تأسيس وطني جديد يقدس الإنسان ويصون كرامته بالعمل والإنتاج ، ويظل الأمل معقودًا على بصيرة القيادة ونبل المجتمع ، بعد ربنا سبحانه وتعالى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!