رأي

أطفال الضعين سيخبرون الله عن كل شيء يا كيزان

بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن

 

بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن

في الحروب، قد تختلط الروايات، و تتعدد التبريرات، و تضيع الحقيقة بين دخان البنادق و صخب البيانات الرسمية. لكن هناك لحظات لا تقبل التأويل، و لا تحتمل الجدل، و لا يمكن تزييفها مهما اشتدت آلة الدعاية.

قصف مستشفى الضعين، و سقوط عشرات الأطفال و المرضى، هو واحدة من تلك اللحظات الفاصلة التي تضع الجميع أمام مرآة الضمير… أو ما تبقى منه.

الأطفال الذين كانوا على أسرّة العلاج لم يكونوا طرفًا في معركة، و لم يحملوا سلاحًا، و لم يهتفوا بشعار سياسي، و لم يكونوا جزءًا من أي صراع. كانوا ينتظرون جرعة دواء، أو دفء عناية، أو فرصة للحياة.

 

لكن الموت جاءهم من السماء… بقرار بشري، و بسلاح يُفترض أنه وطني، فإذا به يتحول إلى أداة فناء لمن يفترض أن يحميهم.

 

أي خطاب عسكري يمكن أن يبرر استهداف منشأة طبية؟

أي منطق يمكن أن يقنع أمًا فقدت طفلها بأن ما حدث خطأ تكتيكي؟

و أي ضمير يمكن أن يحتمل رؤية أجساد صغيرة تُنتشل من تحت الركام دون أن يهتز؟

 

إن قصف المستشفيات ليس مجرد جريمة حرب وفق القانون الدولي الإنساني، بل هو انهيار أخلاقي كامل. هو إعلان صريح بأن حياة المدنيين لم تعد ذات قيمة، و أن حدود الحرب قد سقطت، و أن القوة العارية أصبحت البديل الوحيد للسياسة.

في الضعين، لم يُقصف مبنى فقط، بل قُصفت فكرة الأمان ذاتها. المستشفى، الذي يمثل في وعي الناس آخر ملاذ للحياة، تحوّل إلى هدف. و هذا ليس حدثًا عابرًا، بل مؤشر خطير على طبيعة هذا الصراع و انزلاقه نحو مستويات غير مسبوقة من العنف.

 

قد يخرج من يبرر، و قد يسارع آخرون إلى النفي أو التضليل، و قد تُدفن الحقيقة تحت ركام البيانات الرسمية. لكن ما لا يمكن دفنه هو ذاكرة الناس. و ما لا يمكن محوه هو الألم الذي يسكن قلوب الأمهات، و صور الأطفال التي ستبقى شاهدة على ما جرى.

أطفال الضعين لن يكتبوا بيانات، و لن يظهروا في مؤتمرات صحفية، لكنهم في ميزان العدالة الإلهية – سيقولون كل شيء.

سيخبرون الله عن لحظة الرعب، و عن الألم، و عن لوعة أمهاتهم، و عن الصمت الذي أعقب القصف.

سيخبرونه عمّن ضغط الزناد، و عمّن برر، و عمّن صمت… صمت أهل القبور.

و التاريخ لا ينسى.

قد يتأخر الحساب، لكن صفحاته لا تُمحى. كل جريمة تُسجل، و كل دم يُحصى، و كل صمت يُدان.

و عندما تُفتح الملفات يومًا، لن يكون السؤال فقط: من قصف؟

بل: من سكت؟ من برر؟ و من حاول تحويل المأساة إلى مجرد خبر عابر؟

إن إدانة هذه الجريمة ليست موقفًا سياسيًا، بل واجب إنساني.

و الوقوف ضد استهداف المدنيين خاصة الأطفال و المرضى هو الحد الأدنى الذي يُبقي على ما تبقى من معنى للإنسانية في هذا الخراب.

 

في الضعين، سقط أطفال…

لكن سقط معهم شيء أكبر: سقط ادعاء الأخلاق في الحرب.

و بينما يحاول البعض طي الصفحة سريعًا، ستبقى الحقيقة معلقة في الهواء:

أن هناك أطفالًا قُتلوا و هم ينتظرون الحياة…

و أنهم، بالفعل، سيخبرون الله عن كل شيء.

فقط افهموا:

لا وثيقة ولا وفاق،

لا حقيقة ولا نفاق،

يمكن أن تخفي عن الأطفال…

عورة من دفنتم من رجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!