رأي

جريمة بورتسودان الصامتة: كيف سُرقت أحلام 280 ألف طالب تحت غطاء الحرب؟  

مكين حامد تيراب

 

مكين حامد تيراب

ليست هذه مجرد أزمة تعليم، ولا خطأ إداري عابر يمكن تبريره بظروف الحرب. ما يحدث هو قرار سياسي كامل الأركان، تُدفع كلفته من أعمار ومستقبل نحو 280 ألف طالب سوداني حُرموا من الجلوس لامتحان الشهادة—بعضهم للعام الثالث. هذه ليست مصادفة، بل نتيجة مباشرة لسياسات حكومة بورتسودان التي اختارت أن تُسيّس التعليم بدل أن تحميه.

ثلاثة أشهر من المحاولات، ومبادرات مرنة، ومقترحات قابلة للتطبيق—كلها اصطدمت بما وصفه التقرير بـ”جدار الصمت”. لكن الصمت هنا ليس حياداً، بل موقف. موقف يقول بوضوح إن بقاء السيطرة أهم من حق التعليم، وإن إدارة الصراع مقدّمة على إنقاذ جيل كامل من الضياع.

في المقابل، تكشف الوقائع أن أطرافاً أخرى، رغم اختلافها السياسي والعسكري، أبدت استعداداً للتنسيق والتنازل من أجل قيام امتحانات موحدة. هذه المفارقة وحدها تكفي لفضح جوهر الأزمة: المشكلة ليست في استحالة الحل، بل في غياب الإرادة لدى سلطة بورتسودان.

حين تتحول الشهادة السودانية—التي كانت رمزاً للوحدة الوطنية—إلى أداة إقصاء جغرافي وسياسي، فنحن لا نتحدث عن خلل في النظام التعليمي، بل عن تفكيك ممنهج لفكرة السودان نفسها. إن حرمان طلاب دارفور وكردفان والنيل الأزرق من الامتحانات لا يعمّق فقط الفجوة التعليمية، بل يزرع بذور كراهية وغبن ستدفع البلاد ثمنها لعقود.

الأخطر أن هذا السلوك يعيد تعريف الدولة: من راعٍ للحقوق إلى أداة للتمييز. فالدولة التي تعجز—or ترفض—أن تضمن امتحاناً قومياً موحداً، تفقد أحد أهم مبررات وجودها. وما قيمة السيادة إن كانت تُمارس على حساب مستقبل الأطفال؟

إن تحميل حكومة بورتسودان المسؤولية هنا ليس موقفاً سياسياً، بل توصيف أخلاقي وواقعي. فهي الجهة التي تملك القرار، وهي التي أغلقت أبواب الحل، وهي التي اختارت أن تترك مئات الآلاف من الطلاب خارج قاعات الامتحان.

هذا ليس فشلاً… هذه جريمة مكتملة الأركان.

وإذا لم يُفتح هذا الملف اليوم بوضوح وجرأة، فإن التاريخ لن يكتب فقط أن جيلاً حُرم من التعليم، بل سيكتب أن سلطةً بعينها قررت ذلك—عن علمٍ وقصد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!