
فاطمة لقاوة
لم تكن زيارة رئيس مجلس الوزراء لحكومة السلام والوحدة إلى مستشفى الضعين مجرد جولة بروتوكولية تُضاف إلى سجل الزيارات الرسمية، بل جاءت كفعلٍ سياسيٍّ وإجتماعيٍّ يحمل في طيّاته رسالة واضحة: أن الدولة تُبنى من حيث يتألم الناس، لا من حيث تُكتب البيانات.
على أرض مدينة أنهكها الإستهداف الممنهج، وتحوّلت فيها المرافق الصحية إلى أهداف مفتوحة لنيرانٍ لا تفرّق بين طفلٍ وإمرأة، جاءت هذه الزيارة لتكسر عزلة الخوف، وتعيد شيئًا من التوازن النفسي لمجتمعٍ ظلّ طويلًا يَداوي جراحه بصمت.
لم يكن المشهد عاديًا؛ مسؤولون يقفون وسط الركام، لا لإلتقاط الصور، بل للتعهد بإعادة الحياة إلى مرفقٍ كان شاهدًا على واحدة من أبشع الجرائم الكيزانية وعصابتهم التي اختطفت إسم الدولة و إستغلت الجيش.
تعهّد المجلس الرئاسي ومجلس الوزراء بإعادة تأهيل مستشفى الضعين ومكافحة الإرهاب لا يمكن قراءته كتصريح عادي، بل هو إعلان بداية لمسار مختلف في إدارة الدولة: مسار ينطلق من الإنسان، ويضع كرامته وسلامته في صدارة الأولويات.
لقد كانت الزيارة، في جوهرها، تطييب خاطرٍ حقيقي لمجتمعاتٍ مغلوبة على أمرها، ظلت هدفًا مباشرًا لآلة عُنفٍ منظمة تقودها عصابة بورتسودان، التي لم تكتفِ بإشعال الحرب، بل جعلت من المدنيين ساحتها المفضلة.
رغم أن البعض لا يزال ينتقد بطء تحركات تحالف “تأسيس” ويصفها بالمتأنية أو حتى “السلحفائية”، فإن القراءة المنطقية لما يجري على الأرض تكشف فارقًا جوهريًا: هذا التحالف لا يتحرك في فراغ سياسي، بل في حقل ألغامٍ حقيقي، تُدار فيه الصراعات بأدوات خفية، وتُزرع فيه الفوضى كسياسة ممنهجة،ظلت الدولة المركزية العميقة و قبضتها الكيزانية و إستخباراتها تُحركانها بعناية فائقة من أجل حسم خلافاتها السياسية و البقاء في كرسي السُلطة.
في الوقت الذي إختارت قوى مثل “صمود” التمسك بسياسة رمادية تمسك العصا من المنتصف، وذهبت الكتلة الديمقراطية إلى الإحتماء بظل الكيزان و جنرالاتهم داخل المؤسسة العسكرية وإستغلال اسم الدولة لتحقيق مكاسبها، وجد تحالف “تأسيس” نفسه في مواجهة مباشرة مع واقعٍ أكثر تعقيدًا: إدارة مناطق تحت سيطرته،ومعارك ميدانية ضد عدو أكثر قذارة مما يتخيل الإنسان الطبيعي،في ظل تهديدات أمنية مستمرة، وإختراقات إستخباراتية تعمل على تفجير الأوضاع من الداخل-“ديدن الكيزان و من معهم من أصحاب الإمتيازات،يلجأون إلى قبلنة المشهد السياسي لحسم معاركهم التي يهربون منها ميدانيا”-هذا الواقع لا يشبه التنظير من بعيد، ولا يحتمل قرارات مرتجلة أو إندفاعًا غير محسوب.
الحكومة هنا لا تدير مؤتمرات، بل تدير حياة الناس اليومية، وسط بيئة مشبعة بالقنابل المؤقتة التي تعمل أجهزة الكيزان وعصابتهم في بورتسودان على تحريكها متى شاءت.
من هنا، تكتسب زيارة الضعين معناها الحقيقي: إنها خطوة تأسيسية في مشروع إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
حكومة لا تبدأ من القمة، بل من القاعدة؛ لا تخاطب شعبها من خلف الحواجز، بل تقف وسطه، تسمع أنينه، وتتعهد بالفعل لا القول.
إنها حكومة تقود سفينة في بحرٍ متلاطم، نعم، لكن ربانها إختار أن يبدأ بتثبيت أقدام طاقمه على أرض الناس، ليبني معهم علاقة ثقة لا تُشترى بالشعارات. رسالة الزيارة كانت واضحة: نحن لسنا سلطة فوقكم، بل خُدّام لكم، نقف معكم في المحن قبل المنح، ولن نترككم وحدكم في مواجهة هذا الجحيم.
قد لا تكون الخطوات سريعة كما يريد البعض، لكنها خطوات واعية، تُبنى على إدراك عميق بحجم التحديات و في زمن الفوضى، أحيانًا يكون التأنّي ليس ضعفًا، بل شرطًا للنجاة.
الضعين اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل نقطة بداية لفكرة دولة تُداوي جراحها بيدها، وتُعيد تعريف نفسها من قلب المعاناة.




