
لم يكن تدخّل مصر في الشأن السوداني حدثًا عابرًا ولا طارئًا سياسيًا، بل كان خيطًا طويلًا من السياسات التي لم تتبدل، مهما تبدلت الوجوه في القاهرة أو الخرطوم. فمنذ زمن بعيد، نظرت مصر إلى السودان لا بوصفه دولة شقيقة، بل بوصفه مجالًا حيويًا يجب أن يبقى تابعًا، ضعيفًا، مفكك الإرادة، وأن تظل مؤسساته السياسية والعسكرية أقرب إلى الامتداد المصري منها إلى التعبير عن مصالح شعبه.
وقد أدركت القاهرة مبكرًا أن نهضة السودان ليست مجرد احتمالٍ سياسي، بل تهديد مباشر لامتيازاتها: في النيل، في الأمن، في الاقتصاد، وفي التوازن الإقليمي الذي يمنحها نفوذًا مضاعفًا كلما انكمش السودان وتراجع. ولهذا لم تتردد في صناعة بيئة تُبقي البلاد في حالة ضعف مزمن، كأنها تسير على رمال لا يثبت عليها بناء.
“حين يخاف الجار من نهوضك، يزرع أمامك الحفرة ثم يدّعي أنه جاء ليحذرك منها.”
إن الدور المصري لم يُبْنَ على المساندة، بل على بناء منظومة نفوذ داخل مؤسسات الدولة السودانية. وعلى مرّ العقود، تشكلت شبكات ولاءٍ داخل الأجهزة الحساسة، تحول فيها الولاء الوطني إلى ولاء خارجي، وتحوّل القرار السوداني إلى ملفٍ يُقرأ هناك قبل أن يُعلن هنا. وهكذا صار الجيش، في لحظات كثيرة، يتصرف لا كقوة وطنية مستقلة، بل كأداة تُدار وفق حسابات غير سودانية.
ولم يكن التدخل المصري مباشرًا فحسب، بل كان متشعبًا: تغذية خلافات القوى السياسية، تشجيع انقساماتها، احتضان بعضها، استقطاب بعضها الآخر، وإضعاف أي محاولة لبناء مشروع وطني مستقل. فكلما ظهرت إمكانية لولادة كتلة وطنية متماسكة تعيد ترتيب السودان من الداخل، ظهرت القاهرة لتعيد خلط الأوراق من جديد.
“ليس أخطر على وطنٍ من خصمٍ يملك القدرة على تحريك خصوماته الداخلية.”
وإذا كان السودان يعاني من صراعاته الذاتية، فإن مصر لم تكن تتدخل لحلها، بل لتوجيهها بحيث تصبح جزءًا من هندستها الخاصة. كانت تُشعل نيران النزاعات ثم تظهر في دور “الوسيط”، وتُغذي خطاب الخوف ثم تُقدم نفسها كضامن، وتُشجع نزعة الاستقطاب ثم تدعو للوحدة.
هذه الازدواجية ليست عيبًا في السياسة، بل استراتيجية كاملة.
“ثمة قوى لا تحضر إلى مائدتك لتأكل معك، بل لتتأكد ألا تشبع.”
أما اقتصادات السودان، تلك الثروات التي كان يمكن أن ترفع البلاد عاليًا، فقد تحوّلت إلى مجال مفتوح للاستنزاف. وبدل أن تستثمر مصر في نهضة السودان، استثمرت في إضعافه؛ فاستحوذت على ما يمكن استحواذه، وفتحت الباب أمام تجارة غير متكافئة، وضمنت تدفقًا مستمرًا للموارد شمالًا بينما بقيت الجنوب والوسط والغرب غارقة في العوز والتهميش.
لقد كانت مشكلة السودان دومًا أنه قريب من دولة ترى في ضعفه ضرورة، وفي فقره مصلحة، وفي انشغاله بالحرب أداة لإحكام السيطرة.
كان يمكن لمصر أن تكون شريكًا حقيقيًا، لكنها اختارت أن تكون وصيًّا قاسيًا.
“أسوأ الوصايات تلك التي ترتدي ثوب الأخوّة وهي تحمل خنجرًا في يدها.”
ولا يمكن قراءة المشهد السوداني اليوم بمعزل عن هذا الإرث: فكل محاولة للتغيير، وكل ثورة، وكل عملية إصلاح، كانت تواجه تدخلاً مصريًا مباشرًا أو غير مباشر، يرسم حدود ما هو مسموح وما هو ممنوع.
وليس خافيًا أن كل لحظة ضعف في السودان كانت فرصة لقاهرة أكثر جرأة، وكل لحظة قوة كانت تدفعها لإشعال مخاوف جديدة كي لا يقف السودان مستقيمًا.
“من لا يريدك أن تنهض، سيخترع لك ألف سبب لتبقى راكعًا.”
إن علاقة السودان بمصر تحتاج اليوم إلى إعادة تعريف، لا عبر الغضب ولا عبر القطيعة، بل عبر استعادة السيادة الكاملة للقرار السوداني. فما عاد مقبولًا أن تظل مصالح السودان تفصل في غرف خارج حدوده، أو أن تستمر بعض القوى الداخلية في لعب دور الوكيل السياسي لقوى خارجية تبحث عن مصالحها لا عن مصلحة السودان.
السودان بلدٌ غني، واسع، قادر على أن ينهض بذاته؛
لكن هذا لا يمكن أن يتحقق ما لم يستيقظ وعيُه على حقيقة أن الخطر الأكبر لم يكن دائمًا من الداخل، بل من تلك اليد الخفية التي ظلّت تدفعه إلى صراعاتٍ ليست له، وتحرمه من مستقبلٍ هو أولى به.
“أخطر الأعداء من يمنحك ابتسامةً فيما يسرق منك وطنًا.”
إن اللحظة الراهنة هي لحظة كشفٍ لا لحظة مجاملة، لحظة وعيٍ لا لحظة إنكار.
فإن لم يعرف السودانيون اليوم من الذي يعطل بلادهم ومن الذي يصنع أزماتهم، فسوف يكتب غيرهم مستقبلهم بالنيابة.
والسودان، الذي كسر كثيرًا من القيود عبر تاريخه، قادرٌ اليوم على أن يكسر آخرها:
أن ينتزع قراره من اليد التي لم تمدّ له يومًا إلا لتأخذه لا لتمنحه.




